أحداث سنة ست وعشرين ومائتين والف

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1116
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

أحداث سنة ست وعشرين ومائتين والف

مُساهمة من طرف الإدارة في الإثنين 7 مايو 2018 - 15:20


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ احداث شهر المحرم سنة 1226 }

واستهلت سنة ست وعشرين ومائتين والف
فكان اول المحرم يوم السبت فيه اظهر الباشا الاهتمام بأمر الحجاز والتجهيز للسفر وركب في ليلة الجمعة سابعه الى السويس وسافر صحبته السيد محمد المحروقي وقام باحتياجاته ولوازمه فلما وصل الى السويس حجز الداوات التي وصلت بالمحمل وسفر عدة من المراكب التي انشأها ليقبضوا على الداوات والسفن التي بالاساكل وحوزها واستولى على البن الذي وجده ببندر السويس للتجار فلما وصل خبر ذلك الى مصر فغلا سعر البن وزاد حتى وصل الى خمسين ريالا فرانسة بعد أن كان بستة وثلاثين عنها اثنا عشر ألف فضة وخمسمائة نصف فضة

{ أحداث شهر صفر سنة 1226 }

واستهل شهر صفر الخير بيوم الاحد
في ثانيه يوم الاثنين حضر الباشا من السويس الى مصر في سادس ساعة من الليل فضربوا في صبحها عدة مدافع لحضوره وقد حضر علي هجين بمفرده ولم يصحبه الا رجل بدوي على هجين أيضا ليدله على الطريق وقطع المسافة في احدى عشرة ساعة وحضر من كان بصحبته في ثاني يوم وهم مجدون السفر وحضر السيد محمد المحروقي بحموله في اليوم الثالث واخبروا أن الباشا انزل من ساحل السويس خمسة مراكب من المراكب التي انشأها باحتياجاتها ولوازمها وعساكرها ووجههم الى ناحة اليمن ليقبضوا على ما يجدونه من المراكب وان الصناع مجتهدون في العمل في مراكب كبار لحمل الخيول والعساكر واللوازم
فيه حضر صالح أغا قوج حاكم اسيوط وتناقلت الاخبار عن الامراء المصريين القبليين بأنهم حضروا الى الطينة ورجعوا الى ناحية قنا وقوض وخرج اليهم احمد اغالاظ وتحارب معهم وقتل من عساكره عدة وافرة
وفيه قلد الباشا ابنه طوسون باشا ساري عسكر الركب الموجه الى الحجاز واخرجوا جيشهم الى ناحية قبة العزب ونصبوا عرضيا وخياما واظهر الباشا الاجتهاد الزائد والعجلة وعدم التواني ونوه بتسفير عساكر لناحية الشام لتمليك يوسف باشا لمحله وساري عسكرهم شاهين بك الألفي ونحو ذلك من الايهامات وطلب من المنجمين أن يختاروا وقتا صالحا لإلباس ابنه خلعة السفر فاختاروا له الساعة الرابعة من يوم الجمعة فلما كان يوم الخميس رابعه طاف الاي جاويش بالاسواق على صورة الهيئة القديمة في المناداة على المواكب العظيمة وهو لابس الضلمة والطبق على رأسه وراكب حمار عال وامامه مقدم بعكاز وحوله قابجية ينادون بقولهم يارن الاي ويكررون ذلك في اخطاط المدينة وطافوا بأوراق التنابية على كبار العسكر والبينبات والامراء المصرية الالفية وغيرهم يطلبونهم للحضور في باكر النهار الى القلعة ليركب الجميع بتجملاتهم وزينتهم اما الموكب فلما اصبح يوم الجمعة سادسه ركب الجميع وطلعوا الى القلعة وطلع المصرية بمماليكهم واتباعهم واجنادهم فدخل الامراء عند الباشا وصبحوا عليه وجلسوا معه حصة وشربوا القهوة وتضاحك معهم ثم انجر الموكب على الوضع الذي رتبوه فانجر طائفة الدلاة واميرهم المسمى ازون علي ومن خلفهم الوالي والمحتسب والاغا والوجاقلية والالداشات المصرية ومن تزيا بزيهم ومن خلفهم طوائف العسكر الرجالة والخيالة والبيكباشيات وارباب المناصب منهم وابراهيم اغا آغات الباب وسليمان بك البواب يذهب ويجيء ويرتب الموكب وكان الباشا قد بيت مع حسن باشا وصالح قوج الكتخدا فقط غدر المصرية قتلهم واسر بذلك في صبحها ابراهيم أغا آغات الباب فلما انجر الموكب وفرغ طائفة الدلاة ومن خلفهم من الوجاقلية والالداشات المصرية وانفصلوا من باب العزب فعند ذلك امر صالح قوج بغلق الباب وعرف طائفته بالمراد فالتفتوا ضاربين بالمصرية
وقد انحصروا باجمعهم في المضيق المنحدر الحجر المقطوع في اعلي باب العزب مسافة ما بين الباب الاعلى الذي يتوصل منه الى رحبة سوق القلعة الى الباب الاسفل وقد اعدوا عدة من العساكر اوقفوهم على علاوي النقر الجحر والحيطان التي به فلما حصل الضرب من التحتانيين اراد الامراء الرجوع القهقري فلم يمكنهم ذلك لانتظام الخيول في مضيق النقر واخذهم ضرب البنادق والقرابين من خلفهم أيضا وعلم العسكر الواقفون بالاعلى المراد فضربوا أيضا فلما نظروا ما حل به سقط في ايديهم وارتبكوا في انفسهم وتحيروا في امرهم ووقع منه اشخاص كثيرة فنزلوا عن الخيول واقتحم شاهين بك وسليمان بك البواب وآخرون في عدة من مماليكهم راجعين الى فوق والرصاص نازل عليهم من كل ناحية ونزعوا ما كان عليهم من الفراوي والثياب الثقيله ولم يزالوا سائرين وشاهرين سيوفهم حتى وصلوا الى الرحبة الوسطى المواجهة لقاعة الاعمدة وقد سقط اكثرهم واصيب شاهين بك وسقط الى الارض فقطعوا رأسه واسرعوا بها الى الباشا ليأخذوا عليها البقشيش وكان الباشا عندما ساروا بالموكب ركب من ديوان السراية وذهب الى البيت الذي به الحريم وهو بيت اسمعيل أفندي الضربخانه وأما سليمان بك البواب فهرب من حلاوة الروح وصعد الى حائط البرج الكبير فتابعوه بالضرب حتى سقط وقطعوا رأسه أيضا وهرب كثير الى بيت طوسون باشا يظن الالتجاء به والاحتماء فيه فقتلوهم وأسرف العسكر في قتل المصريين وسلب ماعليهم من الثياب ولم يرحموا أحدا وأظهروا كامن حقدهم وضبعوا فيهم وفيمن رافقهم متجملا معهم من اولاد الناس واهالي البلد الذين تزيوا بزيهم لزينة الموكب وهم يصرخون ويستغيثون ومنهم من يقول انا لست جنديا ولا مملوكا وآخر يقول انا لست من قبيلتهم فلم يرقوا لصارخ ولا شاك ولا مستغيث وتتبعوا المتشتتين والهربانين في نواحي القلعة وزواياها والذين فروا ودخلوا في البيوت والاماكن وقبضوا على من أمسك حيا ولم يمت من الرصاص او متخلفا عن الموكب
وجالسا مع الكتخدا كأحمد بك الكيلارجي ويحيى بك الألفي وعلي كاشف الكبير فسلبوا ثيابهم وجمعوهم الى السجن تحت مجلس كتخدا بك ثم احضروا أيضا المشاعلي لرمي اعناقهم في حوش الديوان واحدا بعد واحد من ضحوة النهار الى أن مضى حصة من الليل في المشاعل حتى امتلأ الحوش من القتلى ومن مات من المشاهير المعروفين وانصرع في طريق القلعة قطعوا رأسه وسحبو حثته الى باقي الجثث حتى انهم ربطوا في رجلي شاهين بك ويديه حبالا وسحبوه على الارض مثل الحمار الميت الى حوش الديوان هذا ما حصل بالقلعة واما اسفل المدينة فأنه عند ما اغلق باب القلعة وسمع من بالرميلة صوت الرصاص وقعت الكرشة في الناس وهرب من كان واقفا بالرميلة من الاجناد في انتظار الموكب وكذلك المتفرجون واتصلت الكرشة بأسواق المدينة فأنزعجوا وهرب من كان بالحوانيت لانتظار الفرجة واغلق الناس حوانيتهم وليس لأحد علم بما حصل وظنوا ظنونا وعندما تحقق العسكر حصول الواقعة وقتل الامراء انبثوا كالجراد المنتشر الى بيوت الامراء المصريين ومن جاورهم طالبين النهب والغنيمة فولجوها بغتة ونهبوها نهبا ذريعا وهتكوا الحرائر والحريم وسحبوا النساء والجواري والخوندات والستات وسلبوا ما عليهن من الحلي والجواهر والثياب وأظهروا الكامن في نفوسهم ولم يجدوا مانعا ولا رادعا وبعضهم قبض على يد امرأة ليأخذ منها السوار فلم يتمكن من نزعها بسرعة فقطع يد المراءة وحل بالناس في بقية ذلك اليوم من الفزع والخوف وتوقع المكروه مالا يوصف لأن المماليك والاجناد تداخلوا وسكنوا في جميع الحارات والنواحي وكل امير له دار كبيرة فيها عيالة واتباعه ومماليكه وخيوله وجماله وله دار وداران صغار في داخل العطف ونواحي الازهر والمشهد الحسيني يوزعون فيها ما يخافون عليه لظنهم بعدها وحمايتها بحرمة الخطة وصونها عند وقوع الحوادث وكثير من كبار العسكر مجاورون لهم في جميع النواحي ويرمقون احوالهم ويطلعون على أكثر حركاتهم وسكناتهم ويندخلون فيهم ويعاشرونهم ويسامرونهم بالليل ويظهرون لهم الصداقة والمحبة وقلوبهم محشوة من الحقد عليهم والكراهة لهم بل ولجميع ابناء العرب فلما حصلت هذه الحادثة بادروا لتحصيل مأمولهم واظهروا ما كان مخفيا في صدورهم وخصوصا من التشفي في النساء فإن العظيم منهم كان اذا خطب ادنى امرأة ليتزوج بها فلا ترضى به وتعافه وتأنف قربه وان الح عليها استجارات بمن يحميها منه والا هربت من بيتها واختفت شهورا وذلك بخلاف ما اذا خطبها اسفل شخص من جنس المماليك اجابته في الحال واتفق انه لما اصطلح الباشا مع الالفية وطلبوا البيوت ظهر كثير من النساء المستترات المخفيات وتنافسن في زواجهم وعملن لهم الكساوي وقدمن لهم التقادم وصرفن عليهم لوازم البيوت التى تلزم الازواج لزوجاتهم كل ذلك بمرأى من الاتراك يحقدونه في قلوبهم وفيهم من حمى جاره وصان دياره ومانع اعلاهم ادناهم وقليل ما هم وذلك لغرض يبتغيه وامر يرتجيه فانه بعد ارتفاع النهب كانوا يقبضون عليهم من البيوت فيستولي الذي حماه ودافع عنه على داره وما فيها وانهبت دور كثيرة من المجاورين لهم او لدور اتباعهم بأدنى شبهة او يدخلون بحجة التفتيش ويقولون عندكم مملوك او سمعنا أن عندكم وديعة لمملوك وبات الناس واصبحوا على ذلك ونهب في هذه الحادثة من الاموال والامتعة ما لا يقدر قدره ويحصيه الا الله سبحانه وتعالى ونهبت دور كثيرة من دور الاعيان الذين ليسوا من الامراء المقصودين ومن المتقيدين بخدمة الباشا مثل ذو الفقار كتخدا المتولي خوليا على بساتين الباشا التى انشأها بشبرا وبيت الامير عثمان أغا الورداني ومصطفى كاشف المورلي والافندية الكتبة وغيرهم واصبح يوم السبت والنهب والقتل والقبض على المتوارين والمختفين مستمر ويدل البعض على البعض او يغمز عليه وركب الباشا في الضحوة ونزل من القلعة وحوله امراؤه الكبار مشاة وامامه الصفاشية والجاويشية بزينتهم وملابسهم الفاخرة والجميع مشاة ليس فيهم راكب سواه وهم محدقون به وامامه وخلفه عده وافرة والفرح والسرور بقتل المصريين ونهبهم والظفر بهم طافح من وجوههم فكان كلما مر على ارباب الدرك والقلقات والضابطين وقف عليهم ووبخهم على النهب وعدم منعهم لذلك والحال انهم هم الذين كانوا ينهبون اولا ويتبعهم غيرهم فمر على العقادين الرومي والشوائين فخرج اليه شخص من تجار المغاربة يسمى العربي الحلو وصرخ في وجهه وهو يقول ايش هذا الحال وايش لنا علاقة حتى ينهبنا العسكر ونحن ناس فقراء مغاربة متسببون ولسنا مماليك ولا اجناد فوقف اليه وارسل معه نفرا الى داره فوجدوا بها شخصين احدهما تركي والآخر بلدي وهما يلتقطان آخر النهب وما سقط من النهابين فأمر بقتلهما فأخذوهما الى باب الخرق وقطعوا رؤوسهما ثم انه عطف على جهة الكعكيين فلاقاه من اخبره بأن المشايخ مجتمعون ونيتهم الركوب لملاقاته والسلام عليه والتهنئة بالظفر فقال انا اذهب اليهم ولم يزل في سيرة حتى دخل الى بيت الشيخ الشرقاوي وجلس عنده ساعة لطيفة وكان قد إلتجأ الى الشيخ شخصان من الكشاف المصرية فكلمه في شأنهما وترجى عنده في اعتاقهما من القتل وان يؤمنهما على انفسهما وقال له لا تفضح شيبتي يا ولدي واقبل شفاعتي واعطهما محرمة الامان فاجابه الى ذلك وقال له شفاعتك مقبولة ولكن نحن لا نعطي محارم وانا اماني بالقول او نكتب ورقة ونرسلها اليك بالامان فاطمأن الشيخ لذلك ثم قام الباشا وركب وطلع الى القلعة وارسل ورقة الى الشيخ بطلبهما فقال لهما الشيخ أن الباشا ارسل هذه الورقة يؤمنكما ويطلبكما اليه فقالا وما ي يفعل بذهابنا اليه فلاشك في انه يقتلنا فقال الشيخ لا يصلح ذلك ولا يكون كيف انه يأخذكم من بيتي ويقتلكم بعد أن قبل شفاعتي فذهبا مع الرسول فعندما وصلا الى الحوش وهو مملوء بالقتلى وضرب ذرب الرقاب واقع في المحبوسين والمحضرين قبضوا عليهما وادرجا في ضمنهم وفي ذلك اليوم نزل طوسون ابن الباشا وقت نزول ابيه وشق المدينة وقتل شخصا من النهابين أيضا فارتفع النهب وانكف العسكر عن ذلك ولولا نزول الباشا وابنه في صبح ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر اما القبض على الاجناد والمماليك فمستمر وكذلك كل من كان يشبههم في الملبس والزي واكثر من كان يقبض عليهم عساكر حسن باشا الارنؤدي فيكبسون عليهم في الدوراو في الاماكن التى تواروا فيها واستدلوا عليهم فيقبضون على من يقبضون عليه وينهبون من الاماكن ما يمكنهم حمله وثياب النساء وحليهن ويسحبون الواحد والاثنين او اكثر بينهم ويأخذون عمائمهم وثيابهم وما في جيوبهم في اثناء الطريق واذا كان كبيرا او اميرا يستحى منه طلبوه بالرفق فاذا ظهر لهم قالوا له سيدنا حسن باشا يستدعيك اليه فلا تخش من شىء ويطمئن قليلا ويظن انهم يجبرونه وعلى اي حال لا يسعه الا الاجابة لأنه ان امتنع اخذوه قهرا فإذا خرج من الدار استصحبه جماعة منهم وطلع البواقي الى الدار فأخذوا ما قدروا عليه ولحقوا بهم وجرى على الماخوذ ما يجري على امثاله من المأخوذين والبعض توارى والتجأ الى طائفته الدلاة الفلاحات اللاتي يبعن الجلة والجبنة وذهبوا في ضمنهم
وفر من نجا منهم وتزيا بشكلهم ولبس له طرطورا واجاروه وهرب كثير في ذلك اليوم وخرجوا الى قبلي وبعضهم تزيا بزي نساء الفلاحين وخرج في ضمن الى الشام وغيرها واما كتخدا بك فإنه لشدة بغضه فيهم صار لا يرحم منهم احدا فكان كل من احضروه ولو فقيرا هرما من مماليك الامراء الاقدمين يامر بضرب عنقه وارسل اوراقا الى كشاف النواحي والاقاليم بقتل كل من وجدوه بالقرى والبلدان فوردت الرؤوس في ثاني يوم من النواحي فيضعونها بالرميلة وعلى مصطبة السبيل المواجه لباب زويلة وكان كثير من الاجناد بالارياف لتحصيل الفرض التى تعهدوا بدفعها عن فلاحيهم وانقضت اجلتهم وطولبوا بالدفع والفلاحون قصرت ايديهم ولم يقبلوا للملتزمين عذرا في التأخير فلم يسعهم الا الذهاب بأنفسهم لاجل خلاص المطلوب منهم للديوان فعندما وصلت الاوامر الى كشاف الاقاليم بقتل الكائنين بالبلاد بادروا بقتل من يمكنهم قتله ومن بعد عنهم ارسلوا لهم العساكر في محلاتهم فيدهمونهم على حين غفلة ويقتلونهم وينهبون متاعهم وما جمعوه من المال ويرسلون برؤوسهم او يتحيلون على القبض عليهم وقتلهم فصار يصل في كل يوم العدد من الرؤوس من قبلي وبحري ويضعونها على باب زويلة وباب القلعة ولم يقبلوا شفاعة في احد ابدا ويعطون الامان للبعض فاذا حضروا قبضوا عليهم وشلحوهم ثيابهم وقتلوهم والباشا يعلم من كتخداه شدة الكراهة لجنس المماليك ففوض له الامر فيهم حتى انه كان بينه وبين محمد أغا كتخدا الجاويشية سابقا بعض منافرة من مدة سابقة او لكونه صاهر بعض الالفية وزوجه ابنته وكان غائبا ببلدة يقال لها الفرعونية جارية في اقطاعه وتعهد بسا ! عليها من الفرضة فذهب اليها بنفسه ليستخلص منها الفرضة والمال الميري فارسل الكتخدا بك الى كاشف المنوفية قبل الحادث بيوم يامره فيه بأمره فأرسل اليه طائفة من العسكر دخلوا عليه في الفجرية وهو يتوضأ لصلاة الصبح فقتلوه وقطعوا رأسه واحضروها الى مصر وكانوا يأتون بأشخاص من بقايا البيوت القديمة فيمثلونهم بين يدي الكتخدا فيسألهم فيخبرون عن انفسهم ونسبتهم فيكذبهم ويامر بهم الى الحبس الاعلى حتى يتبين امرهم فأما تدركهم الالطاف فينجون بعد معاينة الموت وهذا في النادر فقتل في هذه الحادثة اكثر من ألف انسان وامراء واجناد وكشاف ومماليك ثم صاروا يحملون رممهم على الاخشاب ويرمونهم عند المغسل بالرميلة ثم يرفعونهم ويلقونهم في حفر من الارض فوق بعضهم البعض لا يتميز الامير عن غيره وسلخوا عدة رؤوس من رؤوس العظماء والقوا جماجمهم المسلوخة على الرمم في تلك الحفر فكانت هذه الكائنة من اشنع الحوادث التى لم يتفق مثلها ولم ينج الالفية الا احمد بك زوج عديلة هانم بنت ابراهيم بك الكبير فإنه كان غائبا بناحية بوش وامين بك تسلق من القلعة وهرب الى ناحية الشام وعمر بك أيضا الألفي كان مسافرا في ذلك اليوم الى الفيوم فقتلوه هناك وبعثوا برأسه بعد خمسة ايام ومعها نحو الخمسة عشر رأسا وارسل دبوس اوغلي حاكم المنية خمسة وثلاثين رأسا وحضر من ناحية بحري غير ذلك كثير
واما من قتل في ذلك اليوم ممن له ذكر وبلغني خبره
فهم شاهين بك كبير الألفية ويحيى بك ونعمان بك وحسين بك الصغير ومصطفى بك الصغير ومراد بك وعلي بك وهؤلاء من الالفية ومن غيرهم احمد بك الكيلارجي ويوسف بك أبو دياب وحسن بك صالح ومرزوق بك بن ابراهيم الكبير وسليمان بك البواب واحمد بك تابعه ورشوان بك وابراهيم بك تابعاه وقاسم بك تابع مراد بك الكبير وسليم بك الدمرجي ورستم بك الشرقاوي ومصطفى بك ايوب ومصطفى بك تابع عثمان بك حسن وعثمان بك ابراهيم وذو الفقار تابع جوجر وهو رجل كبير من الاقدمين البطالين هرب هو ومصطفى بك الجداوي وآخر عند صالح بك السلحدار والتجؤا اليه وطمنهم وارسل بخبرهم فحضر الامر بقطع رؤوسهم فأحضر المشاعلي وقطع رؤوسهم في مقعده وارسلها
ومن الامراء الكشاف الالفية فهم علي كاشف الخازندار وعثمان كاشف الحبشي ويحيى كاشف ومرزوق كاشف وعبد العزيز كاشف وروشوان كاشف وسليم كاشف ططر وقايد كاشف وجعفر كاشف وعثمان كاشف ومحمد كاشف ابو قطية واحمد كاشف الفلاح واحمد كاشف صهر محمد أغا وخليل كاشف وعلي كاشف قيطاس واحمد كاشف وموسى كاشف وغير ذلك ممن لم يحضرني اسماؤهم وهم كثيرون وختم الله للجميع بالخير فانه بلغني ممن عاينهم بالحبوس وفي حال القتل انهم كانوا يقرأون القرآن وينطقون بالشهادتين والاستغفار وبعضهم طلب ماء وتوضأ وصلى ركعتين قبل أن يرمى عنقه ومن لم يجد ماء تيمم ولاشتغال اهل المقتولين بأنفسهم وما حصل لهم من النهب والسلب والتشتيت عن اوطانهم لم يعوا ولم يسألوا عن موتاهم غير ام مرزوق بك بن ابراهيم بك الكبير فإنها وجدت عليه وجدا عظيما وطلبته في القتلى فعرفوا جثته بعلامة فيه وجمجمته بكونه كان كريم العين فأخرجوه وكفنوه ودفنوه في تربتهم وذلك بعد مضي يومين من الحادثة واجتمع عندها الكثير من اهل المقتولين ونسائهم واقاموا على ذلك شهورا
وفي الحادثة ارسل محرم بك صهر الباشا حاكم الجيزة فجمع مال المصرية بإقليم الجيزة في الربيع من الخيول والجمال والهجن وغيرها فكان شيئا كثيرا
وفي ثامنه نودى على نساء المقتولين بالامان وان يحضرن الى بيوتهن ويسكن فيها كونها صارت بلاقع فرجع البعض وهن اللاتي لم يحصل لهن كثير الضرر وبقي البعض في اختفائه وانعم الباشا على خواصه بالبيوت بما فيها فنزلوها وسكنوها والبسوا النساء الخواتم وجددوا الفرش والاواني وغالبها من المنهوبات وانعم ببيت شاهين بك على حسين أغا من اقاربه ولم يحصل به ما حصل بغيره لكونه ملاصقا لبيت طاهر باشا وارسل الباشا طائفة من العسكر جلسوا على بابه واما احمد بك الألفي فانه وصله النذير فانتقل من بوش وذهب عند الامراء القبالي ولما وصلتهم خبار هذه الحادثة وبلغ ابراهيم بك موت ولده على هذه الصورة اقاموا العزاء على اخوانهم ولبسوا السواد
وفي ثاني يوم الوقعة حضر احد الكشاف رسولا من عند الامراء القبليين يطلبون العفو من الباشا وان يعطيهم جهة يتعيشون منها فوعده برد الجواب في غير الوقت فاهمله وما ادري ما تم له
وفيه قلد الباشا مصطفى بك ابن اخته وجعله كبيرا على طائفة الدلاة وكان احضره من ناحية الشرقية ليذهب الى قبلي واقام بدله في كشوفية الشرقية علي كاشف بن احمد كتخدا من المصرلية
وفي ثامن عشره عدى مصطفى بك المذكور الى بر الجيزة ليسافر الى قبلي ونصب طاقه بحري بالقصر وعدى ايضا الباشا واقام بالقصر وشرع عسكره الدلاة في التعذية ليلا ونهارا
وفيه أيضا خرج عدة من العسكر الدلاة نحو الخمسمائة نفر الى ناحية قبة العزب ليسافروا الى بلادهم فاستمروا في قضاء اشغالهم اياما ثم سافروا
وفي يوم الاثنين ثالث عشرينه ارتحل مصطفى بك وانتقل الى ناحية الشيخ عثمان مسافرا الى قبلي وعدى الباشا راجعا الى مصر
وفيه حضر ططريان من الروم يبشران بالعفو عن يوسف باشا المنفصل عن الشام وقبل فيه ترجى باشة مصر وشفاعته
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه احضروا من ناحية قبلي اربعةوستين شخصا واكثرهم من الذين كانوا مستوطنين بالبلاد من بقايا البيوت القديمة السنين العديدة ومحترفين فلما احضروهم الى مصر القديمة ابقوهم الى الليل في محبس ثو اوقدوا المشاعل بساحل البحر وقطعوا رؤوسهم ورموا بجثثهم الى البحر واتوا بالرؤوس فوضعوها تجاه باب زويلة ليراها الناس كما راوا غيرها

{ أحداث شهر ربيع الاول سنة 1226 }

واستهل شهر ربيع الاول بيوم الثلاثاء
وفي يوم الاحد سادسه عمل الباشا لابنه طوسون باشا موكبا عظيما ونبهوا في ليلتها على اجتماع العسكر في صبحها ونزل هو الى جامع الغورية ليتفرج على الموكب وصحبته حسن باشا واستعد لذلك السيد المحروقي وفرش له بالجامع المذكور فروشا ومراتب ووسائد فمر الموكب وفي اوله طائفة الدلاة فلما فرغوا مروا بعشرة مدافع كبار على عربيات وعربيتين تحملان هونين قنابر وخلفهم طوائف العسكر الرجالة ارنؤد واتراك وسجمان وهم كثيرون مختلطون من غير ترتيب مدة طويلة ثم كبارهم ركبانا بطوائفهم ثم الوالي والمحتسب واغات مستحفظان ثم طوائف صاحب الموكب وجنائبه وكذا هجنه ثم الجاويشية والسعاة والملازمون ثم طوسون باشا وخلفه اتباعه واغواته ثم الكتخدا وهو محمد كتخدا المعروف بالبرديسي وهو الذي كان كتخدا الألفي وصحبته الخازندار وخلفهم النوبة التركية ولما انقضى امر الموكب دعاه المحروقي الى منزله فنزل معه من باب السر الذي بالجامع المعروف بالغوري وصحبته حسن باشا وتوجهوا الى بيت المحروقي وتعدى عنده هو واتباعه وخواصيه واحضر له الات الطرب واستمر هناك الى آخر النهار في حظ وكيف وقدم له المحروقي تعابي هدية ثم ركب عائدا الى محله
وفي يوم الاثنين رابع عشره نزل الباشا الى ترعة الفراعونية للاهتمام بسدها ونقل الاحجار في المراكب مستمر فاقام عند السد اربع ليال وذهب الى الاسكندرية عندما اتته الاخبار بورود مراكب الانكليز لاجل مشتري الغلال فذهب ليبيع عليهم الغلال التى جمعها فباع عليهم كل اردب بمائة قرش رومي عنها اربعة آلاف فضة واكثر واجتهد ببناء اسوار الاسكندرية وجدد بها ابراجا وحصونا وارسل بطلب البنائين والصناع فجمعوهم من كل ناحية وطالت غيبته هناك واقامته لتتميم اغراضه وامن مشايخ عربان اولاد على المتسولين على البحيرة وتحيل عليهم فلما حضروا اليه قبض عليهم وقرر عليهم اموالا عظيمة ثم خلع عليهم وعوقهم وارسل العساكر فنهبت نجوعهم وسبوا نساءهم واولادهم ومواشيهم واما كتخدا بك فإنه بمصر يقرر الفرض على البلاد هو و الكتبة حسب اوامر مخدومه ونظموا كيفية اخرى وهي انهم جمعوا الميري المضاف والفائظ والرزق ايراد اربع سنوات وكتبوا بها مراسيم بنصف المقرر ليقبض في دفعتين وبعد أن تقرر النصف الاول وتحصل منه ما تحصل وبقى الباقي مع النصف الآخر ويطلب من اربابه ولا بد لا مسامحة في شىء منه ومن نكفل بما تقرر على حصته والزم نفسه بدفعه وكتب على نفسه وثيقة لاجل طولب به حتى قبل حلول الاجل لاحتياج المهمات فتتوجه عليه الحوالات بيد العساكر فينزلون بداره ويلازمونه ويضيقون انفاسه ويكلفونه ما لا يطيق فلا يجد ملجأ ولا خلاصا الا باحد الشيئين اما الدفع باي وجه كتان واما أن ينزل عن حصته بالفراغ للديوان ولا يبقى بيده ما يتقوت به هو وعياله ويصبح فقيرا لا يملك شيئا ان لم يكن له ايراد من جهة اخرى

{ أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1226 }

واستهل شهر ربيع الثاني والكتخدا يتنوع في استجلاب الاموال ويتحيل في استخراجها بانواع من الحيل فمنها انه يرسل الى اهل حرفة من الحرف ويامرهم ببيع بضاعتهم بنصف ثمنها ويظهر انه يريد الشفقة والرأفة بالناس ويرخص لهم في اسعار المبيعات وان ارباب الحرف تعدوا الحدود في غلاء الاسعار فجتمع اهل الحرفة ويضجون ويأتون بدفاترهم وبيان رأس امالهم وما ينضاف اليه من غلو جريئات تلك البضاعة وما استحدث عليها من الجمارك والمكوس وغلو الاجر في البحر والبر فلا يستمع لقولهم ولا يقبل لهم عذرا ويامر بهم الى الحبس فعند ذلك يطلبون الخلاص ويصالحون على انفسهم بقدر من المال يدفعونه ويوزعون ذلك على افرادهم فيما بينهم ثم يزيدون في سعر تلك البضاعة ليعوضوا غرامتهم من الناس معتذرين بتلك الغرامة وما حل بهم من الخسارة ثم تستمر الزيادة على الدوام واظن استمرار الغرامة أيضا فجمع بهذه الكيفية اموالا عظيمة وهي في الحقيقة سلب اموال الناس من الاغنياء والفقراء
وفي اواخره حضر الباشا من الاسكندرية على حين غفلة فبات بقصر شبرا ثم حضر الى بيت الازبكية فأقام به يومين ثم طلع الى القلعة
وفيه وصلت عساكر كثيرة من الارنؤد والاتراك حتى غصت بهم المدينة فلا يكاد المار يقع بصره الا عليهم امام وخلف وبداخل الازقة والعطف وذلك خلاف الذين اقرهم وابقاهم في الاسكندرية ومن هو بالجهات والاقاليم القبلية والبحرية وما يعلم جنود ربك الا هو
وفيه اهتم الباشا بتشهيل العرضى اهتماما زائدا وفرض على البلاد جمالا واتبانا وغلالا

{ أحداث شهر جمادى الاولى سنة 1226 }

واستهل جمادى الاولى وفيه ورد قاصد من الديار الرومية وعلى يده بشارة بأنه ولد للسلطان مولودة انثى فعملوا لها شنكا وهي مدافع تضرب من ابراج القلعة في الاوقات الخمسة ثلاثة ايام
وفيه فرضوا فرضة بغال على مياسير الناس واهل الحرف بغلة وبغلتين وثلاثة والذي لم يكن عنده بغلة تلزم بالشراء او انه يدفع ثمنها كيسا عشرون ألف فضة
وفيه انقطع الوارد من الديار الحجازية وغلا سعر البن حتى وصل الى مائتين وسبعين نصف فضة كل رطل وقل وجوده من الاسواق والدكاكين فلا يوجد الا مع المشقة وصنع الناس القهوة من انواع الحبوب المحمصة كالشعير والقمح والفول وبزر العاقول وغيره مخلوطا مع البن وبغير خلط

{ أحداث شهر جمادى الثانية سنة 1226 }

واستهل شهر جمادى الثانية وفي عشرينه خرج الباشا الى البركة وطلب الجمال وقوافل العرب وشهل طائفة من العسكر للسفر الى السويس فاهتموا بالدخول والخروج من المدينة وطفقوا يخطفون الحمير والبغال والجمال وكل ما صادفوه من الدواب ومن وجدوه راكبا ولو من وجهاء الناس انزلوه عن دابته وركبوها فانقبض الناس وانكمش غالبهم عن الركوب لمصالحهم واخفوا حميرهم وبغالهم واقام الباشا ثلاثة ايام جهة البركة ثم ركب الى السويس
وفيه وردت مراكب وداوات وفيها البن وذلك باستدعاء الباشا لها من ناحية جدة واليمن لاجل حمل العساكر واللوازم وانحل سعر البن قليلا

{ أحداث شهر رجب سنة 1226 }

واستهل شهر رجب وفي ثاني عشرينه يوم الاثنين الموافق لسابع مسرى القبطي اوفى النيل اذرعه وكسر السد في صبحها يوم الثلاثاء بحضرة كتخدا بك والباشا غائب بالسويس

{ أحداث شهر شعبان سنة 1226 }

واستهل شهر شعبان وفي ثانيه سافر ديوان افندي بمن بقي من العساكر البحرية وفي يوم الثلاثاء ثامنه حضر الباشا من السويس وشرع في تشهيل العساكر البرية
وفي خامس عشره خرج الباشا الى العادلية واجتهد في تشهيل سفر العساكر البرية اجتهادا كبيرا وجمع من اهل كل حرفة طائفة وكذلك من اهل كل صنعة والذي يعجز عن السفر يخرج عنه بدلا بدى وتعين من الفقهاء للسفر الشيخ محمد المهدي من الشافعية ومن الحنفية السيد احمد الطحطاوي وشيخ حنبلي وصل من ناحية الشام وكانوا رسموا بإحضار السيد حسين كريت المالكي من رشيد والشيخ علي خفاجي من دمياط فحضرا واعتذرا فاعفيا من السفر ورجعا الى بلديهما
وفي هذا الشهر ظهر نجم له ذنب في جهة الشمال بين بنات نعش الصغرى وبين منار بنات نعش الكبرى رأسه جهة المغرب وذنبه صاعدا الى جهة المشرق وله شعاع مستطيل في مقدار الرمح واستمر يظهر في كل ليلة والناس ينظرون اليه ويتحدثون به ويسألون الفلكيين عنه ويبحثون عن دلائله وعن الملاحم المصنفة في ذوات الاذناب واستمر ظهوره قريبا من ثلاثة اشهر واضمحل بعض جرمه ومشى الى ناحية الجنوب وقرب من النسر الطائر

{ أحداث شهر رمضان سنة 1226 }

واستهل شهر رمضان بيوم الاربعاء وفي يوم الخميس تاسعه ارتحل العسكر من الحصوة ونزلوا ببركة الحج
وفي يوم الاحد ثاني عشره ارتحلوا من البركة فكان مدة مكث العرضى من يوم خروج الموكب الى يوم ارتحالهم من البركة قريبا من ستة اشهر ونصف والناس في امر مريج في كل شيء
وفيه خرج السيد محمد المحروقي ليسافر صحبة الركب وخرج في موكب جليل لأنه هو المشار اليه في رياسة الركب ولوازمه واحتياجاته وامور العربان ومشايخها واوصى الباشا ولده طوسون باشا امير العسكر بان لا يفعل شيئا من الاشياء الا بمشورته واطلاعه ولا ينفذ امرا من الامور الا بعد مراجعته
وفيه وردت الاخبار بأن العساكر البحرية ملكوا ينبع البحر ونهبوا ما كان فيه من ودائع التجار وذلك انه كان بمرساة الينبع عدة مراكب وادوات والشريف غالب امير مكة يكاتب الباشا ويراسله ويظهر له النصح والصداقة وخلوص المودة والباشا أيضا يراسله ويكاتبه وارسل له السيد سلامة النجاري والسيد احمد المنلا الترجمان المحروقي بمراسلات وجوابات مرارا عديدة فكأناهما السفيرين بينهما وايضا الشريف في كل كتابة مع كل مرسل يعاهد الباشا ويعاقده ويواعده بنصر عساكره متى وصلت وينافق للطرفين الذي هو العثماني والوهابي ويداهنهما اما الوهابي فلخوفه منه وعدم قدرته عليه فيظهر له الموافقة والامتثال وانه معه على العهود التى عاهده عليها من ترك الظلم واجتناب البدع ونحوذلك ويميل باطنا للعثمانيين لكونه على طريقتهم ومذاهبهم وتعاقد مع الباشا انه متى وصلت عساكره قام بنصرتهم وساعدهم بكليته وجميع همته وارسل الى المراكب الكائنة بمرساة الينبع بأن ينقلوا ما فيها من مال التجار وغيرهم ويودعوه قلعة الينبع تحت يد وزيره وترك معه نحو الخمسمائة من عسكره واخذ المراكب فأوسقها من بضائعه وبهاره وبنه وارسلها الى السويس لتباع بمصر ثم توسق بمهمات العسكر البحرية فلما وصلت مراكب العساكر البحرية والقت مراسيها قبالة الينبع احتاجوا الى الماء فلم يسعفوهم بالماء فطلع طائفة من العسكر الى البر في طلب عين الماء فمانعهم من عندها مرابط فقاتلوهم وطردوهم ومنعوهم عن الماء وفي حال رجوعهم رموا عليهم من القلعة المدافع والرصاص والحال أن الامر مبهم على الفريقين فعند ذلك استعدت العساكر لمحاربة من بالقلعة واحتاطوا بها وضربوا عليها القنابر والمدافع وركبوا على سورها سلالم وصعدوا عليها وتسلقوا على سور القلعة من غير مبالاة بالرصاص النازل عليهم من الكائنين بالقلعة فملكوا القلعة وقتلوا من كان بها ولم ينج منهم الا الوزير ومعه ستة انفار خرجوا هاربين على الخيول ونهبوا كل ما كان بالينبع من الودائع والاموال والاقمشة والبن وسبو النساء والبنات الكائنات بالبندر واخذوهن اسرى يبيعوهن على بعضهم البعض ووصل المبشرون بذلك في عشرينه فضربوا لذلك مدافع من القلعة كثيرة وعملوا شنكا وطافت المبشرون على بيوت الاعيان ليأخذوا منهم البقاشيش وارسلوا بتلك البشارة شخصا معينا كبيرا الى اسلامبول يبشرون اهل الدولة وسلطان الاسلام وكان ذلك اول فتح حصل

{ أحداث شهر شوال سنة 1226 }

واستهل شهر شوال بيوم الجمعة وكان حقه أن يكون بيوم السبت لأن الهلال لم يكن موجودا ليلة الجمعة ولم يره ليلة السبت الا النادر من الناس وكان قوسه ليلة السبت عشر درجات
وفي سادس عشره وصلت هجانة ومكاتبات من عساكر البر يخبرون بوصولهم الى بندر المويلح في اليوم السابع من الشهر وكان العيد عندهم بمغاير شعيب يوم السبت
وفيه خرجت تجريدة لتسافر الى قبلي لمحاربة من بقي من الامراء المصريين بناحية ابريم

{ أحداث شهر ذي القعدة سنة 1226 }

واستهل شهر ذي القعدة بيوم الاحد وفيه وصلت حجاج مغاربة في عدة مراكب على ظهر البحر وتلف منهم نحو ثلاثة مراكب وحضر بعدهم بأيام الركب الطرابلسي ونزل بساحل بولاق
وفي سادسه حضر أيضا الركب الفاسي وفيهم ابن سلطان الغرب مولاي ابراهيم ابن مولاي سليمان فاعتنى الباشا بشأنه وارسل كتخدا بك لملاقاته وقدم له تقادم واعدوا له منزل علي كاشف بالقرب من بيت المحروقي لينزل فيه وتقيد بخدمته الرئيس حسن المحروقي وحواشيهم لمطبخه وكلف طعامه فلما عدى طلع الى القلعة وقابل الباشا ونزل الى المنزل الذي اعده له وامامه قواسة اتراك وطرادون واسخاص اتراك يضربون على طبلات وامامه جميع المغاربة مشاة ويامرون الناس الجالسين بالحوانيت بالقيام على اقدامهم فأقام خمسة ايام حتى قضى اشغاله وفي تلك المدة تغدو اليه وتروح رسل الباشا وارسل له هدية وذخيرة من كل صنف سكر وعسل وسمن ودقيق وبقسماط واشياء اخر وبارود واعطى له ألف بندقية لضرب الرصاص وبرز في عاشره وسافروا في ثاني عشره
وفي يوم الخميس تاسع عشره وصلت هجانة على ايديهم مكاتبات خطابا الى الباشا وغيره وفيهم خبر بان العسكر البري قد اجتمع مع العسكر البحري واخذوا ينبع البر من غير حرب وان العربان اتت اليهم افواجا وقابلوا طوسون باشا وكساهم وخلع عليهم ثم انقطعت الاخبار

{ أحداث شهر ذي الحجة سنة 1226 }

واستهل شهر ذي الحجة وفي منتصفه وصلت هجانة ومعهم رؤوس قتلى ومكاتبات مؤرخة في منتصف شهر القعدة مضمونها انهم وصلوا الى ينبع البر في حادي عشرين شوال واجتمع هناك العسكران البري والبحري وانهم ملكوا قرية ابن جبارة من الوهابية وتسمى قرية السويق وفر ابن جبارة هاربا وحضرت عربان كثيرة وقابلوا ابن الباشا وانهم مقيمون وقت تاريخه في منزله الينبع منتظرين وصول الذخيرة وعاق المراكب ريح الشتاء المخالف وانه ورد عليهم خبر ليلة اربعة عشر شهره بأن جماعة من كبار الوهابية حضروا بنحو سبعة آلاف خيال وفيهم عبدالله ابن مسعود وعثمان المضايفي ومعهم مشاة قصدوا أن يدهموا العرضي على حين غفلة فخرج اليهم شديد شيخ الحويطات ومعه طوائفه ودلاة وعساكر فوافاهم قبل شروق الشمس ووقع بينهم القتال والوهابية يوقولون هاه يا مشركون وانجلت الحرب عن هزيمة الوهابية وغنموا منهم نحو سبعين هجينا من الهجن الجياد محملة ادوات وكانت الحرب بينهم مقدار ساعتين هذا ملخص ما ذكره وفي الاجوبة التى حضرت
وفي يوم الجمعة خامس عشرينه وصلت قافلة من السويس وحضر فيها جاويش باشا وصحبته مكاتبات وحضر أيضا السيد احمد الطحطاوي والسيخ الحنبلي واخبروا أن العرضى ارتحل من ينبع البر في سابع عشر ذي القعدة ووصلوا الى منزله الصفراء الجديدة ونصبوا عرضيهم وخيامهم ووطاقاتهم بالقرب من الجبال فوجدوا هناك متاريس واحجارا فحاربوا على اول متراس حتى اخذوه ثم اخذوا متراسا آخر وصعدت العساكر الى قلل الجبال فهالهم كثرة الجيش وسارت الخيالة في مضيق الجبال هذا والحرب قائمة في اعلى الجبال يوما وليلة الى بعد الظهيرة من يوم الاربعاء ثالث عشر ذي القعدة فما يشعر السفلانيون الا والعساكر الذين في الاعالي هابطون منهزمون فانهزموا جميعا وولوا الادبار وطلبوا جميعا الفرار وتركوا خيامهم واحمالهم واثقالهم وطفقوا ينهبون ويخطفون ما خف عليهم من امتعة رؤسائهم فكان القوي منهم يأخذ متاع رفيقه الضعيف ويأخذ دابته ويركبها وربما قتله واخذ دابته وساروا طالبين الوصول الى السفائن بساحل البريك لأنهم كانوا اعدوا عدة مراكب بساحل البريك من باب الاحتياط ووقع في قلوبهم الرعب واعتقدوا أن القوم في اثرهم والحال انه لم يتبعهم احد لأنهم لا يذهبون خلف المدبر ولو تبعوهم ما بقي منهم شخص واحد فكانوا يصرخون على القطائر فتأتي اليهم القطيرة وهى لا تسع الا القليل فيتكاثرون ويتزاحمون على النزول فيها فيصعد منهم الجماعة ويمنعون البواقي من اخوانهم فإن لم يمتنعوا مانعوهم بالبنادق والرصاص حتى كانوا من شدة حرصهم وخوفهم واستعجالهم على النزول في القطائر يخوضون في البحر الى رقابهم وكأنما العفاريت في اثرهم تريد خطفهم وكثير من العسكر والخدم لما شاهدوا الازدحام على اسكلة البريك ذهبوا مشاة الى ينبع البحر ووقع التشتيت في الدواب والاحمال والخلائق من الخدم وغيرهم ورجع طوسون باشا الى ينبع البحر بعد أن تغيب يوما عن معسكره حتى انهم ظنوا فقده ورجع أيضا المحروقي وديوان افندي واستقروا بالينبع وترك المحروقي خيامه بما فيها فنزل بها طائفة من العسكر المنهزمين وهم على جهد من التعب والجوع فوجدوا بها المآكل والحلاوات وانواع الملبسات والكعك المصنوع بالعجمية والسكر المكرر والغربيات والخشكنانكات والمربيات وانواع الشرابات فوقعوا عليها اكلا ونهبا ولما تحققوا أن العرب لم تتبعهم ولم تأت في اثرهم اقاموا على ذلك يومين حتى استوفوا اغراضهم وشبعت بطونهم وارتاحت ابدانهم ثم لحقوا بإخوانهم فكانوا هم اثبت القوم واعقلهم ولو كان على غير قصد منهم فكان مدة اقامة المعسكر والعرضي بينبع البر اربعة وعشرين يوما واما الخيالة فإنهم اجتمعوا وساروا راجعين الى المويلح وقد اجهدهم التعب وعدم الذخيرة والعليق حتى حكوا انهم كانوا قبل الواقعة يعلقون على الجمل بنصف قدح قمح مسوس وكانت علائفهم في كل يوم اربعمائة وخمسين اردبا واما المحروقي فإن كبار العسكر قامت عليه واسمعوه الكلام القبيح وكادوا يقتلونه فنزل في سفينة وخلص منهم وحضر من ناحية القصير وحضر الكثير من اتباعه وخدمه متفرقين الى مصر فأما الذين ذهبوا الى المويلح فهم تأمر كاشف وحسين بك دالي باشا وآخرون فأقاموا هناك في انتظار اذن الباشا في رجوعهم الى مصر او عدم رجوعهم واما صالح أغا قوج فانه عندما نزل السفينة كر راجعا الى القصير واستقل برأيه لانه يرى في نفسه العظمة وانه الاحق بالرياسة ويسفه رأى المحروقي وطوسون باشا ويقول هؤلاء الصغار كيف يصلحون لتدبير الحروب ويصرح بمثل هذا الكلام واذيد منه وكان هو اول منهزم وعلم كا ذلك الباشا بمكاتبات ولده طوسون فحقده في نفسه وتمم ذلك بسرعة رجوعه الى القصير ولم ينتظر اذنا في الرجوع او المكث ولما حصل ذلك لم بتزلزل الباشا واستمر على همته في تجهيزه عساكر اخرى وبرزوا الى خارج البلدة وفرض على البلاد جمالا ذكر انها من اصل الغرائم والفرض في المستقبل وكذلك فرض غلالا فكان المفروض على اقليم الشرقية خاصة اثني عشر ألف اردب بعناية علي كاشف قابله الله بما يستحق وانقضت السنة بحوادثها التى منها هذه الحادثة واظنها طويلة الذيل
ومنها أن النيل هبط قبل الصليب بأيام قليلة بعد أن بلغ في الزيادة مبلغا عظيما حتى غرق الزرع الصيفي والدراوي ولما انحسر عن الارض زرعوا البرسيم والوقت صائف والحرارة مستجنة في الارض فتولدت فيه الدودة واكلت الذي زرع فبدروه ثانيا فاكلته أيضا وفحش امر الدودة جدا في الزرع البدري وخصوصا بإقليم الجيزة والقيلوبية والمنوفية بل وباقي الاقاليم
ومنها أن الباشا احدث ديوانا ورتبوه ببيت البكري القديم بالازبكية واظهر أن هذا الديوان لمحاسبة ما يتعلق به من البلاد ومحاسبتها والقصد الباطني غير ذلك وقيد به ابراهيم كتخدا الرزاز والشيخ احمد يوسف كاتب حسين افندي الروزنامجي وما انضم اليهم من الكتبة المسلمين دون الاقباط ليحرروا به قوائم المصروف المضاف والبراني فكانوا يجلسون لذلك كل يوم ما عدا يوم الجمعة ثم تطرق الحال لسور بلاد الباشا وهو أن الكثير من الفلاحين لما سمعة ذلك اتوا من كل ناحية الى مصر وكتبوا عرضحالات الى كتخدا بك وللباشا ويتظلمون من استاذيهم وينهون انهم يزيدون عليهم زيادات في قوائم المصروف ويشددون عليهم في طلب الفرض او بواقيها فيدفعهم الباشا او الكتخدا الى ذلك الديوان المحدث لينظر في امرورهم ويصحبهم معين تركي مباشر يأتي بالملتزم أيضا والفلاحين والشاهد والصراف وقوائم المصروف لاجل المحاققة فعند ذلك يتعنت ابراهيم كتخدا في القوائم ويطلب قوائم السنين الماضية المختومة ونحو ذلك ولما فشا هذا الامر واشيع في البلدان اتت طوائف الفلاحين افواجا الى هذا الديوان يطلبون الملتزمين ةويخاصمونهم ويكافحونهم فيكون امرا مهولا وغاية في الزحام والعياط والشباط وكذلك رفعوا المعلم منصور ومن معه من الكتبة من مباشرة ديوان ابنه ابراهيم بك الدفتردار وقيدوا بدلهم السيد محمد غانم الرشيدي ومحمد افندي سليم ومن انضم اليهم واظهر الباشا انه يفعل ذلك لما علمه من خيانة الاقباط والقصد الخفي خلاف ذلك وهو الاستيلاء والاستحواذ الكلي والجزئي وقطع منفعة الغير ولو قليلا فيضرب هذا بهذا والناس اعداء بعضهم لبعض وقلوبهم متنافرة فيغرى هذا بذاك وذاك بهذا ومن الناس من سمى هذا الديوان ديوان الفتنة
ومنها الزيادة الفاحشة في صرف المعاملة والنقص في وزنها وعيارها وذلك أن حضرة الباشا ابقى دار الضرب على ذمته وجعل خاله ناظرا عليها وقرر لنفسه عليها في كل شهر خمسمائة كيس بعد أن كان شهريتها ايام نظارة المحروقي خمسين كيس في كل شهر ونقصوا وزن القروش نحو النصف عن القرش المعتاد وزادوا في خلطه حتى لا يكون فيه مقدار ربعه من الفضة الخالصة ويصرف باربعين نصفا وكذلك المحبوب نقصوا من عياره ووزنه ولما كان الناس يتساهلون في صرف المحبوب والريال الفرانسة ويقبضونها في خلاص الحقوق من المماطلين والمفلسين وفي المبيعات الكاسدة بالزيادة لضيق المعايش حتى وصل صرف الريال الى مائتين وخمسين نصفا والمحبوب الى مائتين وثمانين ثم زاد الحال في التساهل في الناس بالزيادة أيضا عن ذلك فينادي الحاكم بمنع الزيادة ويمشي الحال اياما قليلة ويعود لما كان او ازيد فتحصل المناداة أيضا ويعقبونها بالتشديد والتنكيل بمن يفعل ذلك ويقبض عليه اعوان الحاكم ويحبس ويضرب ويغرمونه غرامة وربما مثلوا به وخرموا انفه وصلبوه على حانوته وعلقوا الريال في انفه ردعا لغيره وفي اثناء ذلك اذا بالمناداة بان يكون صرف الريال بمائتين وسبعين والمحبوب بثلثمائة وعشرة فاستمع وتعجب من هذه الاحكام الغريبة التى لم يطرق سمع سامع مثلها هذا مع عدم الفضة العديدة في ايدي الناس فيدور الشخص بالقرش وهو ينادي على صرفه بنقض اربعة انصاف نصف يوم حتى يصرفه بقطع افرنجية منها ما هو باثنى عشر او خمسة وعشرين او خمسة فقط او يشترى من يريد الصرف شيئا من الزيات او الخضري او الجزار ويبقى عنده الكسور الباقية يعده بغلاقها فيعود اليه مرارا حتى يتحصل عنده غلاقها وليس هو فقط بل امثاله كثير وسبب شحة الفضة العددية انه يضرب منها كل يوم بالضربخانة الوف مؤلفة يأخذها التجار بزيادة مائة نصف في كل ألف يرسلونها الى بلاد الشام والروم ويعوضون بدلها في الضربخانة الفرانسة والذهب لانها تصرف في تلك البلاد بأقل مما تصرف به في مصر وزاد الحال بعد هذا التاريخ حتى استقر على صرف الالف مائتين وتقرر ذلك في حساب الميري فيدفع الصارف ثلاثين قرشا عنها ألف ومائتان ويأخذ الفا فقط والفرانسة والمحبوب بحسابه المتعارف بذلك الحساب والامر لله وحده

{ من مات في هذه السنة ممن له ذِكر }

واما من مات في هذه السنة ممن له ذِكر
فلم يمت من مشاهير الفقهاء من له شهرة ولا ذِكر
واما الامراء فقد تقدم ذكرهم
وما وقع لهم ومقتلهم اجمالا فأغنى عن التكرار فالله يرحمنا اجمعين


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 25 مايو 2018 - 16:51