القاعدة الأولى: المبحث الرابع والمبحث الخامس

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 914
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

القاعدة الأولى: المبحث الرابع والمبحث الخامس

مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة 10 مارس 2017 - 16:05


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
الأشباه والنظائر للسيوطي
الكتاب الأول في شرح القواعد الخمس
تابع القاعدة الأولى

● [ المبحث الرابع ] ●
في وقت النية

الأصل أن وقتها أول العبادات ونحوها وخرج عن ذلك الصوم فجوز تقديم نيته على أول الوقت لعسر مراقبته ثم سرى ذلك إلى أن وجب فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح قلت وعلى حده جواز تأخير نية صوم النفل عن أوله وبقي نظائر يجوز فيها تقديم النية على أول العبادة منها الزكاة فالأصح فيها جواز التقديم للنية على الدفع للعسر قياسا على الصوم وفي وجه لا يجوز بل يجب حالة الدفع إلى الأصناف أو الإمام كالصلاة ومنها الكفارة وفيها الوجهان في الزكاة وذكر في الفرق بين الزكاة والكفارة وبين الصلاة أنهما يجوز تقديمهما على وجوبهما فجاز تقديم نيتهما بخلاف الصلاة وأنهما تقبلان النيابة بخلافها قلت الأول ينتقض بالصوم والثاني بالحج ومنها الجمع فإن نيته في الصلاة ألأولى ولو كان في أول العبادة لكان في أول الصلاةالثانية لأنها المجموعة وإن جعلت الأولى أول العبادة فهو مما جاز فيه التأخير عن أولها لأن الأظهر جواز النية في أثنائها ومع التحلل منها وفي قول لا يجوز إلا في أول الأولى وفي وجه لا يجوز مع التحلل وفي آخر يجوز بعده قبل الإحرام بالثانية قال في شرح المهذب وهو قوي ومنها نية التمتع على الوجه القائل به وفيه الأوجه في الجمع فالأصح أن وقتها مالم يفرغ من العمرة والثاني حالة الإحرام بها والثالث بعد التحلل منها ما لم يشرع في الحج ومنها نية الأضحية يجوز تقديمها على المذبح ولا يجب اقترانها به في الأصح مع وجوبها في الاستثناء أيضا فرع مما جرى على هذا الأصل من اعتبار النية أول الفعل ما نقله في الروضة اصلها عن فتاوى البغوي وأقره أنه لو ضرب زوجته بالسوط عشر ضربات فصاعدا متوالية فماتت فإن قصد في الابتداء العدد المهلك وجب القصاص وإن قصد تأديبها بسوطين أو ثلاثة ثم بدا له فجاوز فلا لأنه اختلط العمد بشبه العمد.
تنبيهات:
التنبيه الأول
ما أوله من العبادات ذكر وجب اقترانها بكل اللفظ وقيل يكفي بأوله فمن ذلك الصلاة ومعنى اقترانها بكل التكبير أن يوجد جميع النية المعتبرة عند كل حرف منه ومعنى الاكتفاء بأوله أنه لا يجب استصحابها إلى آخره واختاره الإمام والغزالي ونظير ذلك نية كناية الطلاق وفيها الوجهان قال في المنهاج وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ وقيل يكفي بأوله ورجح في أصل الروضة خلافهما فقال ولو اقترنت بأول اللفظ دون آخره أو عكسه طلقت في الأصح والذي في الشرح نقل ترجيح الوقوع في اقترانها بأوله عن الإمام والغزالي قال وسكتا عن الترجيح في اقترانها بآخره خاصة وهو يشعر بأنهما رأيا فيه البطلان وفي الشرح الصغير في الأولى الأظهر الوقوع وميل الإمام في الثانية إلى ترجيح عدمه ثم حكى الرافعي عن المتولي أنه قرب الخلاف في الأولى من الخلاف فيما إذا اقترنت نية الصلاة بأول التكبير دون آخره والخلاف في الثانية من الخلاف في نية الجمع في أثناء الصلاة قال الرافعي وقضيته أنه إذا كان الوقوع في أولى أظهر ففي الثانية أولى لأن الأظهر في اقتران النية بأول التكبير عدم الانعقاد وفي الجمع الصحة وهذا هو الذي حمل النووي على تصحيح الوقوع فيهما وهنا دقيقة وهو أن الرافعي مثل اقترانها بأوله دون آخره بأن توجد عند قوله أنت وقال في المهمات المعتبر اقترانها بلفظ الكناية إما كله وإما بعضه لأن القصد منها تفسير إرادة الطلاق به فلا عبرة باقترانها بلفظ أنت قال وقد صرح بهذا البندنيجي والماوردي وغيرهما قلت ونظير ذلك في الصلاة أن يقال المعتبر اقترانها باللفظ الذي يتوقف الانعقاد عليه وهو الله أكبر فلو قال الله الجليل أكبر فهل يجب اقترانها بالجليل محل نظر ولم أر من ذكره وفي الكواكب للأسنوي إذا كتب زوجتي طالق ونوى وقع الطلاق في الأصح قال والقياس اشتراط النية في جميع اللفظ الذي لا بد منه لا في لفظ الطلاق خاصة لأنا إنما اشترطنا النية فيه لكونه غير ملفوظ به لا لانتفاء الصراحة فيه وهذا المعنى موجود في الجميع وحينئذ فينوي الزوجة حين يكتب زوجتي والطلاق حين يكتب طالق انتهى ونظير ذلك أيضا كنايات البيع وسائر العقود قال في الخادم سكتوا عن وقتها ويحتمل أن يأتي فيها ما في الطلاق ويحتمل المنع واشتراط وجودها في جميع اللفظ ويفرق بأن الطلاق مستقل بنفسه بخلاف البيع ونحوه ومن ذلك الوضوء والغسل فيستحب اقتران النية فيهما بالتسمية كما صرح به في شرح المهذب وعبادته في باب الغسل ويستحب أن يبتدىء بالنية مع التسمية ولم يستحضره الأسنوي فنقله عن المحب الطبري وعبارته والأولى أن تقارنها النية لأن تقديم النية عليها يؤدي إلى خلو بعض الفرائض عن التسمية والعكس يؤدي إلى خلو بعض السنن عن النية ومن ذلك الإحرام فينبغي أن يقال بمقارنة النية التلبية وهو ظاهر كما يفهم من كلامهم وإن لم يصرحوا به ومن ذلك الطواف وينبغي اقتران نيته بقوله بسم الله والله أكبر ومن ذلك الخطبة إن أوجبنا نيتها والظاهر وجوب اقترانها بقوله الحمد لله لأنه أول الأركان.
التنبيه الثاني
قد يكون للعبادة أول حقيقي وأول نسبي فيجب اقتران النية بهما من ذلك التيمم فيجب اقتران نيته بالنقل لأنه أول المفعول من أركانه وبمسح الوجه لأنه أول الأركان المقصودة والنقل وسيلة إليه ومن ذلك الوضوء والغسل فيجب للصحة اقتران نيتهما بأول مغسول من الوجه والبدن ويجب للثواب اقترانهما بأول السنن السابقة ليثاب عليها فلو لم يفعل لم يثب عليها في الأصح لأنه لم ينوها وفي نظيره من الصوم لو نوى أثناء النهار حصل له ثواب الصوم من أوله وخرج منه وجه في الوضوء لأنه من جملة طهارة منوية ولكن فرق بأن الصوم خصلة واحدة فإذا صح بعضها صح كلها والوضوء أفعال متغايرة فالانعطاف فيه بعيد وبأنه لا ارتباط لصحة الوضوء بما قبله بخلاف إمساك أول النهار والوجهان جاريان فيمن أكل بعض الأضحية وتصدق ببعضها هل يثاب على الكل أو على ما تصدق به قال الرافعي وينبغي أن يقال له ثواب التضحية بالكل والتصدق بالبعض ومن نظائر ذلك نية الجماعة في الأثناء أما في أثناء صلاة الإمام وفي أول صلاة المأموم فلا شك في حصول الفضيلة لكن هل هي فضيلة الجماعة الكاملة أو لا سيأتي تحرير القول في ذلك فإن قلنا بالأول فقد عادت النية بالانعطاف وبه صرح بعض شراح الحديث وأما في أثناء صلاة المأموم فإن الصلاة تصح في الأظهر لكن تكره كما في شرح المهذب وأخذ من ذلك بعض المحققين عدم حصول الفضيلة بالكلية لا أصلا ولا انعطافا وسيأتي ومن النظائر المهمة وقت نية الإمامة ولم يتعرض الشيخان لهذه المسألة وفيها اختلاف قال صاحب البيان عند حضور من يريد الاقتداء به لأنه قبل ذلك ليس بإمام وارتضاه ابن الفركاح فعلى هذا يأتي الانعطاف وقال الجويني عند التحرم قال الأذرعي وهو اصوب ومقتضى كلام الأصحاب قلت صدق وبر فإن الأصحاب صححوا اشتراطها في الجمعة فلو لم يأت بها في التحرم لم تنعقد جمعته ومنها وقت نية الاغتراف هل هو عند وضع يده في الماء أو عند انفصاله قال في الخادم ينبغي أن يتخرج على الوجهين المحكيين عن القاضي حسين أن الماء هل يحكم باستعماله إذا لم ينوها من إدخال اليد أو من انفصالها عن الماء قال والأشبه الثاني.
التنبيه الثالث
العبادات ذات الأفعال يكتفى بالنية في أولها ولا يحتاج إليها في كل فعل اكتفاء بانسحابها عليها كالوضوء والصلاة وكذا الحج فلا يحتاج إلى إفراد الطواف والسعي والوقوف بنية على الأصح ثم منها ما يمنع في ذلك ومنها مالا يمنع ومنها ما يشترط أن لا يقصد غيره ومنها مالا يشترط من الأول الصلاة فلا يجوز تفريق النية على أركانها ومن الثاني الحج فيجوز نية الطواف والسعي والوقوف بل هو الأكمل وفي الوضوء وجهان احدهما لا يجوز كالصلاة والأصح الجواز والفرق أن الوضوء يجوز تفريق أفعاله فجاز تفريق نيته بخلاف الصلاة ولتفريق النية في صور الأولى أن ينوى عند كل عضو رفع حدثه الثانية أن ينوى رفع حدث المغسول دون غيره الثالثة أن ينوى رفع الحدث عند كل عضو ويطلق صرح بها ابن الصلاح ومن الثالث الوضوء والصلاة والطواف والسعي فلو عزبت نيته ثم نوى التبرد لم يحسب المفعول حتى يجدد النية أو هوى لسجود تلاوة فجعله ركوعا أو ركع ففزع من شيء فرفع رأسه أو سجد فشاكته شوكة فرفع رأسه لم يجزه فعليه العود واستئناف الركوع والرفع ولو طاف للحج بلا نية وقصد ملازمة غريمه لم يحسب عن الطواف ومن ذلك مسألة الحامل فاذا حمل محرم عليه طواف محرما وطاف به وقصد الحامل الطواف عن المحمول فقط دون نفسه وقع للمحمول فقط على الأصح لأنه صرف الطواف لغرض آخر ولو قصد نفسه أو كليهما وقع للحامل فقط وكذا لو لم يقصد شيئا كما في شرح المهذب ولو نام في الطواف على هيئة لا تنقض الوضوء قال إمام الحرمين هذا يقرب من صرف النية إلى طلب الغريم قال ويجوز أن يقطع بصحة الطواف لأنه لم يصرف الطواف إلى غير النسك ولا يضر كونه غير ذاكرها قال النووي وهذا أصح قلت ونظيره في الوضوء لو نام قاعدا ثم انتبه في مدة يسيرة لم يجب تجديد النية في الأصح كما في شرح المهذب ولو أمر بصب الماء في وضوئه فصب عليه ناسيا بعد ما غسل بعض أعضائه بنفسه فإنه يصح ذكره فيه أيضا ومن الرابع الوقوف فالأصح أنه لا يضر صرفه إلى غيره فلو مر بعرفات في طلب آبق أو ضالة ولا يدري أنها عرفات صح وقوفه قال الإمام والفرق بينه وبين مسألة صرف الطواف أن الطواف قد يقع قرية مستقلة بخلاف الوقوف ولهذا لو حمله في الوقوف أجزأ عنهما مطلقا بخلاف الطواف تنبيه من مشكلات هذا الأصل ما سمعته من بعض مشايخي أن الأصح إيجاب نية سجود السهو دون نية سجود التلاوة في الصلاة وعلل الأخير بأن نية الصلاة تشمله وعندي أن العكس كان أولى لأن سجود السهو أعلق بالصلاة من سجود التلاوة لأنه آكد بدليل أنه يشرع للمأموم إذا سها الإمام ولم يسجد بخلاف ما إذا تلا الإمام ولم يسجد والذي يظهر لي في توجيه ذلك إن صح أن يقال التلاوة من لوازم الصلاة فكأن الناوي عند نيتها مستحضر لها وفي ذكره تعرض لها وليس السهو نفسه من لوازم الصلاة بل وقوعه فيها خلاف الغالب فلم يكن في النية إيماء إليه ولا ادكار ونظير ذلك فدية المحظورات في الحج والعمرة فإنها لا بد لها من النية ولا يقال يكتفى بنية الإحرام لأنها ليست من لوازم الإحرام ولا من ضرورياته بخلاف طواف القدوم مثلا فإنه وإن لم يكن من ماهية الحج ولا أبعاضه ولا هيئاته بل هو أجنبي منه محض لكنه من لوازمه فلذلك لا يشترط له نية كما صرح به الشيخ أبو حامد ونقله عنه ابن الرفعة اكتفاء بنية الحج فهو نظير سجود السهو في الصلاة ثم إني تتبعت كلام الشيخين وغيرهما فلم أر أحدا ذكر وجوب النية في سجود السهو إلا على القول القديم أن محله بعد السلام أما على الجديد الأظهر فلم يذكروا ذلك أصلا بل صرحوا بخلافه فقالوا فيما إذا سلم ناسيا ثم عاد للسجود هل يكون عائدا الى الصلاة وجهان أصحهما نعم والثاني لا فإن قلنا نعم لم يحتج إلى تحريم وإلا احتاج إليه وهذا كلام لا غبار عليه والتقليد آفة كبيرة ومن ذلك الوضوء المسنون في الغسل قال الرافعي وإنما يعد الوضوء من مندوبات الغسل إذا كان جنبا غير محدث أو قلنا بالاندراج وإلا فلا وعلى هذا يحتاج إلى إفراده بنية لأنه عبادة مستقلة وعلى الأصح لا قال الأسنوي ومقتضاه أن نية الغسل تكفي فيه كما تكفي نية الوضوء في حصول المضمضة والاستنشاق وبه صرح ابن الرفعة في الكفاية ورأيته في شرح المفتاح لأبي خلف الطبري قال وهو عجيب فإن نية الغسل على هذا التقدير لا بد أن تقارن أول هذا الوضوء إذ لو تأخرت عنه لم يكن المأتي به وضوءا بل ولا عبادة ونية الغسل فقط لا تكفي بل لا بد أن ينوي الغسل من الجنابة أو نحوه وإذا أتى بذلك ارتفعت الجنابة عن المغسول من أعضاء الوضوء بلا نزع وجود الشرائط فيكون المأتي به غسلا لا وضوءا وليس ذلك كالمضمضة والاستنشاق فإن محلهما غير محل الواجب فظهر اندفاع ما قالوه قال فالصواب ما ذكره النووي في الروضة وغيرها أنه إن تجردت الجنابة عن الحدث نوى بوضوئه سنة الغسل وإن اجتمعا نوى به رفع الحدث الأصغر ليخرج من الخلاف وسبقه إليه ابن الصلاح ومن ذلك الأغسال المسنونة في الحج أما الغسل بدخول مكة فصرح في التتمة بأنه لا يحتاج إلى نية لأن نية الحج تشمله وقياسه أن يكون غسل الوقوف وما بعده كذلك وأما غسل الإحرام فجزم الإمام بعدم احتياجه إلى النية أيضا ثم قال وفيه أدنى نظر وفي الذخائر في صحة غسل الإحرام من الحائض دليل أنه لا يحتاج إلى نية قال ويفرق بينه وبين غسل الجمعة بأن الإحرام من سننه ونية الحج مشتملة على جميع أفعاله فرضا وسنة فلا يحتاج إلى نية بخلاف غسل الجمعة فإنه سنة مستقلة وليس جزءا من الصلاة ورد هذا بأنه إنما يصح لو نوى الإحرام أولا والسنة تقديم الغسل فلا تنعطف عليه النية ولهذا صحح في الروضة وأصلها احتياجه إلى النية وإن كان فرض المسألة في الحائض فقط وقال ابن الرفعة ينبغي أن يبنى ذلك على انعطاف النية في الوضوء فإن قلنا به فكذلك هنا فلا يحتاج إلى النية وإلا فلا ومن ذلك ركعتا الطواف يشترط فيهما النية قطعا ولا ينسحب عليهما نية الإحرام لأنها محض صلاة فافتقرت إليها بخلاف الطواف فإنه بالوقوف أشبه ولأنها تابعة للطواف وهو تابع للإحرام فلا تنسحب نيته على تابع التابع وهذا تعليل حسن ظريف له نظير في العربية ومن ذلك طواف الوداع وقد حكى السنجي في شرح التلخيص عن القفال أنه لا يحتاج إلى النية كسائر الأركان وجزم ابن الرفعة بأنه يحتاج إليها لأنه يقع بعد التحلل التام قال في الخادم وينبغي أن يتخرج على الخلاف في أنه من المناسك أم لا تنبيه تشترط النية في طواف النذر والتطوع بلا خلاف لانتفاء العلة وهي الاندراج وعلى هذا يقال لنا عبادة تجب النية في نفلها دون فرضها وهو الطواف ولا نظير لذلك خاتمة من نظائر هذا الأصل أن نية التجارة إذا اقترنت بالشراء صار المشترى مال تجارة ولا تحتاج كل معاملة إلى نية جديدة لانسحاب حكم النية أولا عليه.

● [ المبحث الخامس ] ●
في محل النية

محلها القلب في كل موضع لأن حقيقتها القصد مطلقا وقيل المقارن للفعل وذلك عبارة عن فعل القلب قال البيضاوي النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه والحاصل أن هنا أصلين، الأول أنه لا يكفي التلفظ باللسان دونه والثاني أنه لا يشترط مع القلب التلفظ.
أما الأصل الأول
فمن فروعه لو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب فلو نوى بقلبه الوضوء وبلسانه التبرد صح الوضوء أو عكسه فلا وكذا لو نوى بقلبه الظهر وبلسانه العصر أو بقلبه الحج وبلسانه العمرة أو عكسه صح له ما في القلب ومنها إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد ولا يتعلق به كفارة أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره هذا في الحلف بالله فلو جرى مثل ذلك في الإيلاء أو الطلاق أو العتاق لم يتعلق به شيء باطنا ويدين ولا يقبل في الظاهر لتعلق حق الغير به وذكر الإمام في الفرق أن العادة جرت بإجراء ألفاظ اليمين بلا قصد بخلاف الطلاق والعتاق فدعواه فيهما تخالف الظاهر فلا يقبل قال وكذا لو اقترن باليمين ما يدل على القصد وفي البحر أن الشافعي نص في البويطي على أن من صرح بالطلاق أو الظهار أو العتاق ولم يكن له نية لا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق ومنها أن يقصد لفظ الطلاق أو العتق دون معناه الشرعي بل يقصد معنى له آخر أو يقصد ضم شيء إليه برفع حكمه وفيه فروع بعضها يقبل فيه وبعضها لا وكلها لا تقتضي الوقوع في نفس الأمر لفقد القصد القلبي قال الفوراني في الإبانة الأصل أن كل من أفصح بشيء وقبل منه فإذا نواه قبل فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم وقال نحوه القاضي حسين والبغوي والإمام في النهاية وغيرهم وهذه أمثلته قال أنت طالق ثم قال أردت من وثاق ولا قرينة لم يقبل في الحكم ويدين فإن كان قرينة كأن كانت مربوطة فحلها وقال ذلك قبل ظاهرا مر بعبد له على مكاس فطالبه بمكسه فقال إنه حر وليس بعبد وقصد التخلص لا العتق لم يعتق فيما بينه وبين الله تعالى كذا في فتاوي الغزالي قال الرافعي وهو يشير إلى أنه لا يقبل ظاهرا قال في المهمات وقياس مسألة الوثاق أن يقبل لأن مطالبة المكاس قرينة ظاهرة في إرادة صرف اللفظ عن ظاهره ورد بأنه ليس قرينة دالة على ذلك وإنما نظير مسألة الوثاق أن يقال له أمتك بغي فيقول بل حرة فهو قرينة ظاهرة على إرادة العفة لا العتق انتهى زاحمته امرأة فقال تأخري يا حرة وكانت أمته وهو لا يشعر أفتى الغزالي بأنها لا تعتق قال الرافعي فإن أراده في الظاهر فيمكن أن يفرق بأنه لا يدري من يخاطب هاهنا وعنده أنه يخاطب غير أمته وهناك خاطب العبد باللفظ الصريح وفي البسيط أن بعض الوعاظ طلب من الحاضرين شيئا فلم يعطوه فقال متضجرا منهم طلقتكم ثلاثا وكانت زوجته فيهم وهو لا يعلم فأفتى إمام الحرمين بوقوع الطلاق قال الغزالي وفي القلب منه شيء قال الرافعي ولك أن تقول ينبغي أن لا تطلق لأن قوله طلقتكم لفظ عام وهو يقبل الاستثناء بالنية كما لو حلف لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه لم يحنث وإذا لم يعلم أن زوجته في القوم كان مقصوده غيرها وقال النووي ما قاله الإمام والرافعي عجيب أما العجب من الرافعي فلأن هذه المسألة ليست كمسألة السلام على زيد لأنه هناك علم به واستثناه وهنا لم يعلم بها ولم يستثنها واللفظ يقتضي الجميع إلا ما أخرجه ولم يخرجها وأما العجب من الإمام فلأن الشرط قصد لفظ الطلاق بمعنى الطلاق ولا يكفي قصد لفظ من غير قصد معناه ومعلوم أن الواعظ لم يقصد معنى الطلاق فينبغي أن لا تطلق لذلك لما ذكره الرافعي قال في المهمات ونظير ذلك ما حكيناه عن الغزالي في مسألة تأخري يا حرة أنها لا تعتق وقال البلقيني فتح الله بتخريجين آخرين يقتضيان عدم وقوع الطلاق أحدهما أن يخرج ذلك على من حلف لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم وهو لا يعلم أنه فيهم والمذهب أنه لا يحنث وهذه غير مسألة الرافعي التي قاس عليها فإنه هناك علم واستثني وهنا لم يعلم أصلا الثاني أن الطلاق لغة الهجر وشرعا حل قيد النكاح بوجه مخصوص ولا يمكن حمل كلام الواعظ على المشترك لأنه هنا متعذر لأن شرط حمل المشترك على معنييه أن لا يتضادا فتعينت اللغوية وهو لا يفيد إيقاع الطلاق على زوجته بل لو صرح فقال طلقتكم وزوجتي لم يقع الطلاق عليها كما قالوه في نساء العالمين طوالق وأنت يا فاطمة من جهة أنه عطف على نسوة لم تطلق انتهى، قال يا طالق وهو اسمها ولم يقصد الطلاق لم تطلق وكذا لو كان اسمها طارقا أو طالبا وقال قصدت النداء فالتف الحرف قال أنت طالق ثم قال أردت إن شاء زيد أو إن دخلت لدار دين ولم يقبل ظاهرا قال كل امرأة لي طالق وقال أردت غير فلانة دين ولم يقبل ظاهرا إلا لقرينة بأن خاصمته وقالت تزوجت فقال ذلك وقال أردت غير المخاصمة ولو وقع ذلك في اليمين قبل مطلقا كأن يحلف لا يكلم أحدا ويريد زيدا أو لا يأكل طعاما ويريد شيئا معينا قال أنت طالق ثم قال أردت غيرها فسبق لساني إليها دين قال طلقتك ثم قال أردت طلبتك دين قال أنت طالق إن كلمت زيدا ثم قال أردت إن كلمته شهرا قال الإمام نص الشافعي أنه لا يقع الطلاق باطنا بعد الشهر فلو كان في الحلف بالله قبل ظاهرا أيضا قال أنت طالق ثلاثا للسنة وقال نويت تفريقها على الأقراء دين ولم يقبل ظاهرا لأن اللفظ يقتضي وقوع الكل في الحال إلا لقرينة بأن كان يعتقد تحريم الجمع في قرء واحد ولو لم يقل للسنة ففي المنهاج أنه كما لو قال والذي في الشرحين والمحرر أنه لا يقبل مطلقا ولا من يعتقد التحريم قال لامرأته وأجنبية إحداكما طالق وقال أردت الأجنبية قبل بخلاف ما لو قال عمرة طالق وهو اسم امرأته وقال أردت أجنبة فإنه يدين ولا يقبل تتمة استثنى مواضع يكتفى فيها باللفظ على رأي ضعيف منها الزكاة ففي وجه أو قول يكفي نيتها لفظا واستدل بأنها تخرج من مال المرتد ولا تصح نيته وتجوز النيابة فيها ولو كانت نية القلب متعينة لوجب على المكلف بها مباشرتها لأن النيات سر العبادات والإخلاص فيها قال ولا يرد على ذلك الحج حيث تجري فيه النيابة وتشترط فيه نية القلب لأنه لا ينوب فيه من ليس من أهل الحج وفي الزكاة ينوب فيها من ليس من أهلها كالعبد والكافر ومنها إذا لبى بحج أو عمرة ولم ينو ففي قول إنه ينعقد ويلزمه ما سمى لأنه التزمه بالتسمية وعلى هذا لو لبى مطلقا انعقد الإحرام مطلقا ومنها إذا أحرم مطلقا ففي وجه يصح صرفه إلى الحج والعمرة باللفظ والأصح في الكل أنه لا أثر للفظ.
وأما الأصل الثاني
وهو أنه لا يشترط مع نية القلب التلفظ فيه ففيه فروع كثيرة منها كل العبادات ومنها إذا أحيا أرضا بنية جعلها مسجدا فإنها تصير مسجدا بمجرد النية ولا يحتاج إلى لفظ ومنها من حلف لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بالنية فإنه لا يحنث بخلاف من حلف لا يدخل عليه فدخل على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه وقصد الدخول على غيره فإنه يحنث في الأصح والفرق أن الدخول فعل لا يدخله الاستثناء ولا ينتظم أن يقول دخلت عليكم إلا على فلان ويصح أن يقال سلمت عليكم إلا على فلان وخرج عن هذا الأصل صور بعضها على رأي ضعيف منها الإحرام ففي وجه أو قول أنه لا ينعقد بمجرد النية حتى يلبي وفي آخر يشترط التلبية أو سوق الهدي وتقليده وفي آخر أن التلبية واجبة لا شرط لللانعقاد فعليه دم والأصح أنها لا شرط ولا واجبة فينعقد الإحرام بدونها ولا يلزمه شيء ومنها لو نوى النذر أو الطلاق بقلبه ولم يتلفظ لم ينعقد النذر ولا يقع الطلاق ومنها اشترى شاة بنية التضحية أو الإهداء لم تصر كذلك على الصحيح حتى يتلفظ ومنها باع بألف وفي البلد نقود لا غالب فيها فقبل ونويا نوعا لم يصح في الأصح حتى يبيناه لفظا وفي نظيره من الخلع يصح في الأصح لأنه يغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع وفي نظيره من النكاح لو قال من له بنات زوجتك بنتي ونويا واحدة صح على الأصح ومنها لو قال أنت طالق ثم قال أردت إن شاء الله تعالى لم يقبل قال الرافعي والمشهور أنه لا يدين أيضا بخلاف ما إذا قال أردت إن دخلت أو إن شاء زيد فإنه يدين وإن لم يقبل ظاهرا قال والفرق بين إن شاء الله وبين سائر صور التعليق أن التعليق بمشيئة الله يرفع حكم الطلاق جملة فلا بد فيه من اللفظ والتعليق بالدخول ونحوه لا يرفعه جملة بل يخصصه بحال دون حال ومنها من عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها لا يأثم لقوله إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ووقع في فتاوي قاضي القضاة تقي الدين بن رزين أن الإنسان إذا عزم على معصية فإن كان قد فعلها ولم يتب منها فهو مؤاخذ بهذا العزم لأنه إصرار وقد تكلم السبكي في الحلبيات على ذلك كلاما مبسوطا أحسن فيه جدا فقال الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب الأولى الهاجس وهو ما يلقى فيها ثم جريانه فيها وهو الخاطر ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أو لا ثم الهم وهو ترجيح قصد الفعل ثم العزم وهو قوة ذلك القصد والجزم به فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعله وإنما هو شيء ورد عليه لا قدرة له ولا صنع والخاطر الذي بعده كان قادرا على دفعه بصرف الهاجس أول وروده ولكنه هو وما بعده من حديث النفس مرفوعان بالحديث الصحيح وإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق الأولى وهذه المراتب الثلاثة أيضا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر أما الأول فظاهر وأما الثاني والثالث فلعدم القصد وأما الهم فقد بين الحديث الصحيح أن الهم بالحسنة يكتب حسنة والهم بالسيئة لا يكتب سيئة وينتظر فإن تركها لله كتبت حسنة وإن فعلها كتبت سيئة واحدة والأصح في معناه أنه يكتب عليه الفعل وحده وهو معنى قوله واحدة وأن الهم مرفوع ومن هذا يعلم أن قوله في حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل ليس له مفهوم حتى يقال إنها إذا تكلمت أو عملت يكتب عليه حديث النفس لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى هذا كلامه في الحلبيات وقد خالفه في شرح المنهاج فقال إنه ظهر له المؤاخذة من إطلاق قوله أو تعمل ولم يقل أو تعمله قال فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية وإن كان المشي في نفسه مباحا لكن لانضمام قصد الحرام إليه فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده أما إذا اجتمعا فإن مع الهم عملا لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق أو تعمل المؤاخذة به قال فاشدد بهذه الفائدة يديك واتخذها أصلا يعود نفعه عليك وقال ولده في منع الموانع هنا دقيقة نبهنا عليها في جمع الجوامع وهي أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم ليس مطلقا بل بشرط عدم التكلم والعمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله ولا يكون همه مغفورا وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل كما هو ظاهر الحديث ثم حكى كلام أبيه الذي في شرح المنهاج والذي في الحلبيات ورجح المؤاخذة ثم قال في الحلبيات وأما العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به وخالف بعضهم وقال إنه من الهم المرفوع وربما تمسك بقول أهل اللغة هم بالشيء عزم عليه والتمسك بهذا غير سديد لأن اللغوي لا يتنزل إلى هذه الدقائق واحتج الأولون بحديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال كان حريصا على قتل صاحبه فعلل بالحرص واحتجوا أيضا بالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد ونحوه وبقوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم على تفسير الإلحاد بالمعصية ثم قال إن التوبة واجبة على الفور ومن ضرورتها العزم على عدم العود فمتى عزم على العود قبل أن يتوب منها فذلك مضاد للتوبة فيؤاخذ به بلا إشكال وهو الذي قاله ابن رزين ثم قال في آخر جوابه والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها.

● [ يتم متابعة القاعدة الأولى من الكتاب الأول ] ●


الأشباه والنظائر
تأليف : السيوطي
منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 19 أكتوبر 2017 - 14:42