الباب الخامس

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 932
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

الباب الخامس

مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة 26 مايو 2017 - 18:29


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة الأدبية
أخبار الحمقى والمغفلين

● [ الباب الخامس ] ●
فى ذكر صفات الاحمق

صفات الاحمق تقسم الى قسمين أحدهما من حيث الصورة والثانى من حيث الخصال والافعال ذكر القسم الاول قال الحكماء اذا كان الرأس صغيرا ردىء الشكل دل على رداءة فى هيئة الدماغ قال جالينوس لا يخلو صغر الرأس البتة من دلالة على رداءة هيئة الدماغ واذا قصرت الرقبة دلت على ضعف الدماغ وقلته ومن كانت بنيته غير متناسبة كان رديئا حتى فى همته وعقله مثل الرجل العظيم البطل القصير الاصابع المستدير الوجه العظيم القامة الصغير الهامة اللحيم الجبهة والوجه والعنق والرجلين فكأنما وجهه نصف دائرة كذلك اذا كان مستدير الرأس واللحية ولكن وجهه شديد الغلظ وفى عينيه بلادة وحركة فهو أيضا من أبعد الناس عن الخير فان جحظتا فهو وقح مهذار فان كانت العين ذاهبة فى طول البدن فصاحبها مكار لص واذا كانت العين عظيمة مرتعدة فصاحبها كسلان بطال أحمق محب للنساء والعين الزرقاء التى فى زرقتها صفرة كأنها زعفران تدل على رداءة الأخلاق جدا والعين المشبهة لأعين البقر تدل على الحمق واذا كانت العين كأنها ناتئة وسائر الجفن لاطىء فصاحبها أحمق واذا كان الجفن من العين منكسرا أو متلونا من غير علة فصاحبها كذاب مكار أحمق والشعر على الكتفين والعنق يدل على الحمق والجرأة وعلى الصدر والبطن يدل على قلة الفطنة ومن طالت عنقه ورقت فهو صياح أحمق جبان ومن كان أنفه غليظا ممتلئا فهو قليل الفهم ومن كان غليظ الشفة فهو أحمق غليظ الطبع ومن كان شديد استدارة الوجه فهو جاهل ومن عظمت أذنه فهو جاهل طويل العمر وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم والغباوة والجهل فى الطول أكثر ومن العلامات التى لا تخطىء طول اللحية فان صاحبها لا يخلو من الحمق وقد روي انه مكتوب فى التوراة إن اللحية مخرجها من الدماغ فمن أفرط عليه طولها قل دماغه ومن قل دماغه قل عقله ومن قل عقله كان أحمق قال بعض الحكماء الحمق سماد اللحية فمن طالت لحيته كثر حمقه ورأى بعض الناس لرجل لحية طويلة فقال والله لو خرجت هذه من نهر ليبس وقال الاحنف بن قيس إذا رأيت الرجل عظيم الهامة طويل اللحية فاحكم عليه بالرقاعة ولو كان أمية ابن عبد شمس وقال معاوية لرجل عتب عليه كفانا فى الشهادة عليك فى حماقتك وسخافة عقلك ما نراه من طول لحيتك وقال عبد الملك بن مروان من طالت لحيته فهو كوسج فى عقله وقال غيره من قصرت قامته وصغرت هامته وطالت لحيته فحقيقا على المسلمين أن يغزوه فى عقله وقال أصحاب الفراسة إذا كان الرجل طويل القامة واللحية فاحكم عليه بالحمق واذا انضاف الى ذلك أن يكون رأسه صغيرا فلا تشك فيه وقال بعض الحكماء موضع العقل الدماغ وطريق الروح الأنف وموضع الرعونة طويل اللحية وعن سعد بن منصور انه قال قلت لابن ادريس أرأيت سلام بن أبى حفصة قال نعم رأيته طويل اللحية وكان أحمق وعن ابن سيرين انه قال إذا رأيت الرجل طويل اللحية لم فاعلم ذلك فى عقله قال زياد ابن ابيه ما زادت لحية رجل على قبضته إلا كان ما زاد فيها نقصا من عقله قال بعض الشعراء إذا عرضت للفتى لحية وطالت فصارت إلى سرته فنقصان عقل الفتى عندنا بمقدار ما زاد فى لحيته ومن صفات الأحمق صغر الاذن ويعرف الاحمق بمشيه وتردده وكلام الاحمق أقوى الادلة على حمقه
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد قال بلغنى أن المهدي لما فرغ من عيسا باذ ركب فى جماعة يسيرة لينظر فدخل مفاجأة فأخرج كل من كان هناك من الناس وبقى رجلان خفيا عن أبصار الاعوان فرأى المهدي أحدهما وهو دهش لا يعقل فقال من أنت قال أنا أنا أنا قال ويلك من أنت قال لا أدرى قال ألك حاجة قال لا لا قال أخرجوه أخرج الله نفسه فدفع في قفاه فلما خرج قال لغلامه اتبعه من حيث لا يعلم فسل عن أمره ومهنته فاني أخاله حائكا فخرج الغلام يقفوه ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب قوي ولسان جرىء فقال من أنت فقال رجل من أبناء رجال دعوتك قال فما جاء بك الى هنا قال جئت لأنظر هذا البناء الحسن وأتمتع بالنظر واكثر من الدعاء لأمير المؤمين بطول المدة وتمام النعمة ونماء العز والسلامة قال ألك حاجة قال نعم خطبت ابنة عم لي فردني أبوها وقال لا مال لك والناس يرغبون فى المال وأنا بها مشغوف قال قد أمرت لك بخمسين ألف درهم قال جعلنى الله فداك يا أمير المؤمنين قد وصلت فأجزلت الصلة ومننت فأعظمت المنة فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه وآخر أيامك خيرا من أولها ومتعك بما أنعم به وأمتع رعيتك بك فأمر أن يعجل صلته ووجه بعض خاصته معه وقال سل عن مهنته فاني أخاله كاتبا فجاء الرسول الاول فقال وجدته حائكا وأخبر الآخر قال وجدته كاتبا فقال المهدى لم يخف علي مخاطبة الحائك والكاتب
وقد روى عن معاوية انه قال لأصحابه بأي شىء تعرفون الاحمق من غير مجاورة فقال بعضهم من قبل مشيته ونظره وتردده وقال بعضهم لا بل يعرف حمق الرجل من كنيته ونقش خاتمه فبينما هم يخوضون فى حديث الحمقى إذ صاح رجل لرجل يا أبا الياقوت فدعا به معاوية فاذا رجل عليه بزة فحاوره ساعة ثم قال ما الذى على فص خاتمك فقال ما لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين فقالوا يا امير المؤمنين الامر قلت وعن الشافعى أنه قال إذا رأيت الرجل خاتمه كبير وفصه صغير فذاك رجل عاقل وإذا رايت فضته قليلة وفصه كبير فذاك عاجز وإذا رأيت الكاتب دواته على يساره فليس بكاتب وإذا كانت على يمينه وقلمه على أذنه فذاك كاتب ذكر القسم الثاني وهو المتعلق بالخصال والأفعال من ذلك ترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه ولا يخبره ومنها أنه لا مودة له ومنها العجب وكثرة الكلام قال أبو الدرداء لا يغرنكم ظرف الرجل وفصاحته وإن كان مع ذلك قائم الليل صائم النهار إذا رأيتم فيه ثلاث خصال العجب وكثرة المنطق فيما لا يعنيه وإن يجد على الناس فيما يأتي مثله فان ذلك من علامة الجاهل وقال عمر بن عبدالعزيز ما عدمت من الاحمق فلن تعدم خلتين سرعة الجواب وكثرة الالتفاتات وتكلم رجل عند معاوية فاكثر الكلام فضجر معاوية فقال اسكت فقال وهل تكلمت ومن علامات الاحمق خلوه عن العلم أصلا فان العقل لا بد أن يحرك الى اكتساب شيء من العلم وان قل فاذا غلب السن ولم يحصل شيئا من العلم دل على الحمق قال الاعمش إذا رأيت الشيخ ليس عنده شيء من العلم أحببت أن أصفعه كان عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب صديقا للوليد يأتيه ويؤانسه فجلسا يوما يلعبان بالشطرنج إذ أتاه الآذن فقال أصلح الله الأمير رجل من أخوالك من أشراف ثقيف قدم غازيا فأحب السلام عليك فقال دعه فقال عبد الله وما عليك ائذن له فنظل نحن على لعبنافادع بمنديل يوضع عليها ونسلم على الرجل ونعود ففعل ثم قال ائذن له فاذا هو رجل له هيبة وبين عينيه أثر السجود وهو معتم قد رجل لحيته فسلم ثم قال أصلح الله الأمير قدمت غازيا فكرهت أن أجوزك حتى أقضى حقك فقال حياك الله وبارك عليك ثم سكت عنه فلما أنس أقبل عليه الوليد فقال يا خال هل جمعت القرآن قال لا كانت شغلتنا عنه شواغل قال أحفظت من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ومغازيه وأحاديثه شيئا قال لا كانت شغلتنا عن ذلك شواغل قال فأحاديث العرب وأشعارها قال لا قال فأحاديث أهل الحجاز ومضحيكها قال لا قال فأحاديث العجم وآدابها قال ذاك شىء ما طلبته فرفع الوليد المنديل وقال شاهك فقال عبد الله بن معاوية سبحان الله قال لا والله ما معنا في البيت أحد فلما رأى ذلك الرجل خرج وأقبلوا على لعبهم ومن خصال الاحمق فرحه بالكذب من مدحه وتأثره بتعظيمه وان كان غير مستحق لذلك عن الحسن أنه يقول خفق النعال خلف الاحمق قلما يلبث وقال زيد بن خالد ليس أحد أحمق من غني قد أمن الفقر وفقير قد آيس من الغني وقال الاصمعى إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فى مجلس واحد فحدثه بحديث لا أصل له فان رأيته أصغى إليه وقبله فاعلم أنه أحمق وإن أنكره فهو عاقل
وقال بعض الحكماء من أخلاق الحمق العجلة والخفة والجفاء والغرور والوفجور والسفه والجهل والتواني والخيانة والظلم والضياع والتفريط والغفلة والسرور والخيلاء والفجر والمكر إن استغنى بطر وإن افتقر قنط وإن فرح أشر وإن قال فحش وإن سئل بخل وإن سأل ألح وإن قال لم يحسن وإن قيل له لم يفقه وإن ضحك نهق وإن بكى خار وقال بعض الحكماء يعرف الاحمق بست خصال الغضب من غير شىء والاعطاء فى غير حق والكلام من غير منفعة والثقة بكل أحد وإفشاء السر وان لا يفرق بين عدوه وصديقه ويتكلم ما يخطر على قلبه ويتوهم أنه أعقل الناس وقال أبو حاتم بن حيان الحافظ علامة الحمق سرعة الجواب وترك التثبت والافراط فى الضحك وكثرة الالتفات والوقيعة في الاخيار والاختلاط بالاشرار والاحمق إن أعرضت عنه اعتم وإن أقبلت عليه اغتر وإن حلمت عنه جهل عليك وإن جهلت عليه حلم عليك وإن أحسنت إليه أساء إليك وإن أسأت إليه أحسن إليك وإذا ظلمته أنصفت منه ويظلمك إذا أنصفته فمن ابتلى بصحبة الاحمق فليكثر من حمد الله على ما وهب له مما حرمه ذاك قال محمد الشامى لنا جليس تارك للأدب جليسه من قوله فى تعب يغضب جهلا عند حال الرضى ومنه يرضى عند حال الغضب.


أخبار الحمقى والمغفلين
لابن الجوزي
منتدى بنات بنوتات ـ البوابة



    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 10:15