منتدى غذاؤك دواؤك

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

خلفاء الدولة العباسية [ 8 ]

avatar
غذاؤك
Admin


عدد المساهمات : 1934
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

خلفاء الدولة العباسية [ 8 ] Empty خلفاء الدولة العباسية [ 8 ]

مُساهمة من طرف غذاؤك الخميس 25 نوفمبر 2021 - 5:24

خلفاء الدولة العباسية [ 8 ] Taregh10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مكتبة السيرة والتاريخ
تاريخ الخلفاء للسيوطيي
خلفاء الدولة العباسية [ 8 ]
خلفاء الدولة العباسية [ 8 ] 1410
● [ المقتدي بأمر الله ] ●
467 هـ ـ 487 هـ

المقتدي بأمر الله : أبو القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله
مات أبوه في حياة القائم ـ و هو حمل ـ فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر و أمه أم ولد اسمها أرجوان
و بويع له بالخلافة عند موت جده و له تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و كانت البيعة بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي و ابن الصباغ و الدامغاني و ظهر في أيامه خيرات كثيرة و آثار حسنة في البلدان
و كانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه
و من محاسنه أنه نفى المغنيات و الحواظي ببغداد و أمر أن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر و خرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس
و كان دينا خيرا قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس
و في هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة و فيها جمع نظام الملك المنجمين و جعلوا النيروز أول نقطة من الحمل و كان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت و صار ما فعله النظام مبدأ التقاويم
و في سنة ثمان و ستين خطب للمقتدي بدمشق و أبطل الأذان بحي على خير العمل و فرح الناس بذلك
و في سنة تسع و ستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القسيري حاجا فوعظ بالنظامية و جرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة لأنه تكلم على مذهب الأشعري و حط عليهم و كثر أتباعه و المتعصبون له فهاجت فتن و قتلت جماعة
و عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابل
و في سنة خمس و سبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق
و في سنة ست و سبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد و ارتفع الغلاء
و فيها ولى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة و لقبه [ ظهير الدين ] و أظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين
و في سنة سبع و سبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية و أقصراء بجيوشه إلى الشام فأخذ أنطاكية ـ و كانت بيد الروم من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة ـ و أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره قال الذهبي : و آل سلجوق هم ملوك بلاد الروم و قد امتدت أيامهم و بقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس
و في سنة ثمان و سبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء و اشتد الرعد و البرق و سقط رمل و تراب كالمطر و وقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة و بقيت ثلاث ساعات بعد العصر و قد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي و أوردها في أماليه
و في سنة تسع و سبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة و مراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه و أن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخلع و الأعلام و التقليد و لقبه بأمير المسلمين ففرح بدلك و سر به فقهاء المغرب و هو الذي أنشأ مدينة مراكش
و فيها دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة و هو أول دخوله إليها فنزل بدار المملكة و لعب بالكرة و قد تقاوم الخليفة ثم رجع إلى أصبهان
و فيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين و خطب للمقتدي و في سنة إحدى و ثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين و قام مقامه ابنه جلال الدين مسعود
و في سنة ثلاث و ثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز و درس بها أبو بكر الشاشي
و في سنة أربع و ثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية و هي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين و حكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب
و فيها قدم السلطان ملكشاه بغداد و أمر بعمل جامع كبير بها و عمل الأمراء حوله دورا ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان و عاد إلى بغداد في سنة خمس و ثمانين عازما على الشر و أرسل إلى الخليفة يقول : لا بد أن تترك لي بغداد و تذهب إلى أي بلد شئت فانزعج الخليفة و قال : و لا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام فاتفق مرض السلطان و موته و عد ذلك كرامة للخليفة و قيل : إن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد و دعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه و ذهب إلى حيث ألقت و لما كتمت زوجته تركان خاتون موته و أرسلت إلى الأمراء سرا فاستحلفتهم لولده محمود ـ و هو ابن خمس سنين فخلفوا له و أرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب و لقبه [ ناصر الدنيا و الدين ] ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه فقلده الخليفة و لقبه [ ركن الدين ] و ذلك في المحرم سنة سبع و ثمانين و أربعمائة و علم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة فقيل : إن جاريته شمس النهار سمته و بويع لولده المستظهر
و ممن مات في أيام المقتدي من الأعلام : عبد القادر الجرجاني و أبو الوليد الباجي و الشيخ أبو إسحاق الشيرازي و الأعلم النحوي و ابن الصباغ صاحب [ الشامل ] و المتولي و إمام الحرمين و الدامغاتي الحنفي و ابن فضالة المجاشعي و البزدوي شيخ الحنفية
● [ المستظهر بالله ] ●
487 هـ ـ 512 هـ
المستظهر بالله : أبو العباس أحمد بن المتقدي بالله
ولد في شوال سنة سبعين و أربعمائة و بويع له عند موت أبيه و له ست عشرة سنة و شهران
و قال ابن الأثير : كان لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس و يفعل الخير و يسارع في أعمال البر حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد يدل على فضل غزير و علم واسع سمحا جوادا محبا للعلماء و الصلحاء و لم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب
و في هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر و قام بعده ابنه المستعلي أحمد
و فيها أخذت الروم بلنسية
و في سنة ثمان و ثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند لأنه ظهر منه الزندقة فقبض عليه الأمراء و أحضروا الفقهاء فأفتوا بقتله فقتل لا رحمه الله و ملكوا ابن عمه
و في سنة تسع و ثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم سيل غرق أكثرهم
و في سنة تسعين قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان فتملكها السلطان بركياروق و دانت له البلاد و العباد
و فيها خطب للعبيدي بحلب و أنطاكية و المعمرة و شيزر شهرا ثم أعيدت الخطبة العباسية
و فيها جاء الفرنج فأخذوا نيقية و هو أول بلد أخذوه و وصلوا إلى كفر طاب و استباحوا تلك النواحي فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم و انزعجت الملوك و الرعية و عظم الخطب فقيل : إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجقوية و استلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوها و كثر النفير على الفرنج من كل جهة
و في سنة اثنتين و تسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان
و فيها أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر و نصف و قتلوا به أكثر من سبعين ألفا منهم جماعة من العلماء و العباد و الزهاد و هدموا المشاهد و جمعوا اليهود في الكنيسة و أحرقوا عليهم و ورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاما أبكى العيون و اختلفت السلاطين فتمكنت الفرنج من الشام و للأبيوردي في ذلك :
( مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرصة للمراحم )
( و شر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم )
( فأيها بني الإسلام إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم )
( أنائمة في ظل أمن و غبطة ... و عيش كنوار الخميلة ناعم )
( و كيف تنام العين ملء جفونها ... على هبوات أيقظت كل نائم )
( و إخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم )
( تسومهم الروم الهوان و أنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم )
( فكم من دماء قد أبيحت ؟ و من دمى ... تواري حياء حسنها بالمعاصم )
( بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... و سمر العوالي داميات اللهازم )
( يكاد لهن المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم )
( أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم و الدين واهي الدعائم )
( و يجتنبون النار خوفا من الردى ... و لا يحسبون العار ضربة لازم )
( أترضى صناديد الأعارب بالأذى ... و تغضي على ذل كماة الأعاجم )
( فليتهم إذا لم يذودوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم )
و فيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق فانتصر عليه فقلده الخليفة و لقبه [ غياث الدنيا و الدين ] و خطب له ببغداد ثم جرت بينهما عدة وقعات
و فيها نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق خوفا عليه و خرج الناس لتلقيه فآووه خزانة بمقصورة الجامع
و في سنة أربع و تسعين كثر أمر الباطنية بالعراق و قتلهم الناس و اشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم و قتلوا الخلائق منهم الروياني صاحب البحر
و فيها أخذ الفرنج بلد سروج و حيفا و أرسوف و قيسارية
و في سنة خمس و تسعين مات المستعلي صاحب مصر و أقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور و هو طفل له خمس سنين
و في سنة ست و تسعين جرت فتن للسلطان فترك الخطباء الدعوة للسلطان و اقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير
و في سنة سبع و تسعين وقع الصلح بين السلطانين : محمد و بركياروق و سببه أن الحروب لما تطاولت بينهما و عم الفساد و صارت الأموال منهوبة و الدماء مسفوكة و البلاد مخروبة و السلطنة مطموعا فيها و أصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين دخل العقلاء بينهما في الصلح و كتب العهود و الأيمان و المواثيق و أرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق و أقيمت له الخطبة ببغداد
و في سنة ثمان و تسعين مات السلطان بركياروق فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه قلده الخليفة و خطب له ببغداد و له دون خمس سنين فخرج عليه عمه محمد و اجتمعت الكلمة عليه فقلده الخليفة و عاد أصبهان سلطانا متمكنا مهيبا كثير الجيوش
و فيها كان ببغداد جدري مفرط مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون و تبعه وباء عظيم
و في سنة تسع و تسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة و تبعه خلق فأخذ و قتل
و في سنة خمسمائة أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية و هدمت و قتلوا و سلخ كبيرهم و حشي جلده تبنا فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد فلله الحمد
و في سنة إحدى و خمسمائة رفع السلطان الضرائب و المكوس ببغداد و كثر الدعاء له و زاد في العدل و حسن السيرة
و في سنة اثنتين عادت الباطنية فدخلوا شيزر على حين غفلة من أهلها فملكوها و ملكوا القلعة و أغلقوا الأبواب و كان صاحبها خرج يتنزه فعاد و أبادهم في الحال و قتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب البحر قتله الباطنية في بغداد كما تقدم
و في سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين
و في سنة أربع بلاء المسلمين بالفرنج و تايقنوا استيلاءهم على أكثر الشام طلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج و صالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا لعنهم الله
و فيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده و نزل على الناس رمل و أيقنوا بالهلاك ثم تجلى قليلا و عاد الصفرة و كان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب
و فيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج و بين ابن تاشفين صاحب الأندلس نصر فيها المسلمون و قتلوا و أسروا و غنموا ما لا يعبر عنه و بادت شجعان الفرنج
و في سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى الشام فصلى الجمعة يوما في الجامع و إذا بباطني رثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه : [ و إن أمه قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودا لحقيق على الله أن يبيدها ]
و في سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم غرق سنجار و سورها و هلك خلق كثير حتى إن السيل و ظهر بعد سنين و سلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونه و عاش و كبر
و فيها مات السلطان محمد و أقيم بعده ابنه محمود و له أربع عشرة سنة
و في سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث و العشرين من ربيع الأول فكانت مدته خمسا و عشرين سنة و غسله ابن عقيل شيخ الحنابلة و صلى عليه ابنه المسترشد و مات بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي
قال الذهبي : و لا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا رأت ابنها خليفة ثم ابن ابنها ثم ابن ابن ابنها و من شعر المستظهر :
( أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... لما مددت إلى رسم الوداع يدا )
( و كيف أسلك نهج الاصطبار و قد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا )
( إن كنت أنقص عهد الحب يا سكني ... من بعد هذا فلا عاينتكم أبدا )
و للصارم البطائحي مدحا :
( أصبحت بالمستظهر بن المقتدي ... بالله بن القائم بن القادر )
( مستعصما أرجو نوال أكفه ... و بأن يكون على العشيرة ناصري )
فوقع المستظهر بجائزتين : بخير بين الصلة و الانحدار و المقام و الإدرار و قال السفلي : قال لي أبو الخطاب بن الجراح : صليت بالمستظهر في رمضان فقرأت : { إن ابنك سرق } رواية رويناها عن الكسائي فلما سلمت قال : هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب
مات في أيامه من الأعلام : أبو المظفر السمعاني و نصر المقدمي و أبو الفرج و شيذلة و الروياني و الخطيب التبريزي و الكيا الهراسي و الغزالي و الشاشي الذي صنف كتاب الحلية و سماه [ المستظهري ] و الأبيودري اللغوي
● [ المسترشد بالله ] ●
512 هـ ـ 529 هـ
المسترشد بالله : أبو المنصور الفضل بن المستظهر بالله ولد في ربيع الأول سنة خمس و ثمانين و أربعمائة و أمه أم ولد و بويع بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة و خمسمائة و كان ذا همة عالية و شهامة زائدة و إقدام و رأي و هيبة شديدة ضبط أمور الخلافة و رتبها أحسن ترتيب و أحيا رسم الخلافة و نشر عظامها و شيد أركان الشريعة و طرز أكمامها و باشر الحروب بنفسه و خرج عدة نوب إلى الحلة و الموصل طريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة و كسر جيشه بقرب همذان و أخذ أسيرا إلى أذربيجان و قد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان و عبد الوهاب بن هبة الله السبتي و روى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي و وزيره علي بن طراد و إسماعيل بن طاهر الموصلي ذكر ذلك ابن السمعاني و ذكره ابن الصلاح في الطبقات الشافعية و ناهيك بذلك فقال هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه و بلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدنيا و الدين و ذكره ابن السبكي في الطبقات الشافعية و قال : كان في أول أمره تنسك و لبس الصوف و انفرد في بيت للعبادة و كان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست و ثمانين و أربعمائة و خطب له أبوه بولاية العهد و نقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان و ثمانين و كان مليح الخط و ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله يستدرك على كتابه و يصلح أغاليط في كتبهم و أما شهامته و هيبته و سجاعته و إقدامه فأمر أشهر من الشمس و لم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش و المخالفين و كان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق و انكسر و أخذ و رزق الشهادة
و قال الذهبي : مات السلطان محمود بن محمد ملشكاه سنة خمس و عشرين فأقيم ابنه داود مكانه فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما و لكل مملكة و خطب لمسعود بالسلطنة ببغداد و من بعده لداود و خلع عليهم ثم وقعت الوحشة بين الخليفة و مسعود لقتاله فالتقى الجمعان و غدر بالخليفة أكثر عسكره فظفر به مسعود و أسر الخليفة و خواصه فحبسهم بقلعة بقرب همذان فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم و بكوا و ضجوا و خرج النساء حاسرات يندبن الخليفة و منعوا الصلوات و الخطبة
قال ابن الجوزي : و زلزلت بغداد مرارا كثيرة و دامت كل يوم خمس مرات أو ستا و الناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول : ساعة وقوف الولد غياث الدنيا و الدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين و يقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو و الصفح و يتنصل غاية التنصل فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية و الأرضية مالا طاقة لنا بسماع مثلها فضلا عن مشاهدة : من العواصف و البروق و الزلازل و دام ذلك عشرين يوما و تشويش العساكر و انقلاب البللدان و لقد خفت على نفسي من جانب الله و ظهور آياته و امتناع الناس من الصلاة في الجوامع و منع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله فالله الله تتلافى أمرك و تعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه و تحمل الغاشية بين يديه كما جرت عادتنا و عادة آبائنا ففعل مسعود جميع ما أمره به و قبل الأرض بين يدي الخليفة و وقف يسأل العفو
ثم أرسل سنجر رسولا آخر و معه عسكر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقر عزه فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية فذكر أن مسعودا ما علم بهم و قيل : بل علم بهم و قيل : بل هو الذي دستهم فهجموا على الخليفة في خيمته ففتكوا به و قتلوا معه جماعة من أصحابه فما شعر بهم العسكر إلا و قد فرغوا من شغلهم فأخذوهم و قتلوهم إلى لعنة الله و جلس السلطان للعزاء و أظهر المساءة بذلك و وقع النحيب و البكاء و جاء الخبر إلى بغداد فاشتد ذلك على الناس و خرجوا حفاة مخرقين الثياب و النساء ناشرات الشعور يلطمن و يقلن المراثي لأن المسترشد كان محببا فيهم ببره و لما فيه من الشجاعة و العدل و الرفق بهم و كان قتل المسترشد رحمه الله بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي لبقعدة سنة تسع و عشرين
و من شعره :
( أنا الأشقر المدعو بي الملاحم ... و من يملك الدنيا بغير مزاحم )
( ستبلغ أرض الروم خيلي و تنتضى ... بأقصى بلاد الصين صوارمي )
و من شعره لما أسر :
( و لا عجبا للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح و أعجم )
( فحربة و خشي سقت حمزة الردى ... و موت علي من حسام ابن ملجم )
و له لما كسر عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر :
( قالوا : تقيم و قد أحا ... ط بك العدو و لا تفر )
( فأجابتهم : المء ما ... لم يتعظ بالوعظ غر )
( لا نلت خيرا ما حييـ ... ت و لا عداني الدهر شر )
( إن كنت أعلم أن غيـ ... ر الله ينفع أو يضر )
قال الذهبي : و قد خطب بالناس يوم عيد أضحى فقال : الله أكبر ما سبحت الأنواء و أشرق الضياء و طلعت ذكاء و علت على الأرض السماء الله أكبر ما همى سحاب و لمع سراب و أنجح طلاب و سر قادما إياب ـ و ذكر خطبة بليغة ـ ثم جلس ثم قام فخطب و قال : اللهم أصلحني في ذريتي و أعني على ما وليتني و أوزعني شكر نعمتك و وقفني و انصرني فلما أنهاها و و تهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده :
( عليك سلام يا خير من علا ... على منبر قد حف أعلامه النصر )
( و أفضل من أم الأنام و عمهم ... بسيرته الحسنى جده من أجله نزل القطر )
( و أفضل أهل الأرض شرقا و مغربا و من جده من أجله نزل القطر )
( لقد شنفت أسماعنا منك خطبة ... و موعظة فصل يلين لها الصخر )
( ملأت بها كل القلوب مهابة ... فقد رجفت من خوف تخويفها مصر )
( و زدت بها عدنان مجدا مؤثلا ... فأضحى بها بين الأنام لك الفخر )
( وسدت بني العباس حتى لقد غدا يباهي بك السجاد و العلم البحر )
( فلله عصر أنت فيه إمامنا ... و لله دين أنت فيه لنا الصدر )
( بقيت على الأيام و الملك كلما ... تقدم عصر أنت فيه أتى عصر )
( و أصبحت بالعيد السعيد مهنأ ... تشريفنا فيه صلاتك و النحر )
و قال وزيره جلال الدين الحسن بن علي بن صدقه يمدحه :
( و جدت الورى كالماء طعما ورقة ... و أن أمير المؤمنين زلالة )
( و صورت معنى العقل شخخصا مصورا ... و أن أمير المؤمنين مثاله )
( و لولا مكان الدين و الشرع و التقى ... لقلت من الإعظام جل و جلاله )
و في سنة أربع و عشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع و دورا كثيرة
و فيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام الله منصور من غير عقب و قام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر
و فيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان و خاف الناس منها و قد قتلت جماعة أطفال
و ممن مات في أيام المسترشد من الأعلام : شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنيفة و أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي و قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني و ابن بليمة المقرئ و الطغراني صاحب لامية العجم و أبو علي الصدفي الحافظ و أبو نصر القيشري و ابن القطاع اللغوي و محيي السنة البغوي و ابن الفحام المقرئ و الحريري صاحب المقامات و الميداني صاحب الأمثال و أبو الوليد بن رشد المالكي و الإمام أبو بكر الطرطوشي و أبو الحجاج السرقسطي و ابن السيد البطليوسي و أبو علي الفارقي من الشاعفية و ابن الطراوة النحوي و ابن الباذش و ظافر الحداد الشاعر و عبد الغفار الفارسي و خلائق آخرون
● [ الراشد بالله ] ●
529 هـ ـ 530 هـ
الراشد بالله : أبو جعفر المنصور بن المسترشد
ولد في سنة اثنتين و خمسمائة و أمه أم ولد يقال : إنه ولد مسدودا فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب ففعل به ذلك فنفع
و خطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة و بويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع و عشرين
و كان فصيحا أديبا شاعرا شجاعا سمحا جوادا حسن السيرة يؤثر العدل و يكره الشر
و لما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل فأحضروا القضاة و الأعيان و العلماء و كتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم و أخذ الأموال و سفك الدماء و شرب الخمر و استفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك : هل تصح إمامته ؟ و هل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه و يستبدل خيرا منه ؟ فأفتوا بجواز خلعه و حكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد و بايعوا عمه محمد بن المستظهر و لقب المقتفي لأمر الله و ذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين
و بلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد آذربيجان و كان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا و عاثوا هناك و مضوا إلى همذان و أفسدوا بها و قتلوا جماعة و صلبوا آخرين و حلقوا لحى جماعة من العلماء ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها و نهبوا القرى
و مرض الراشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم و ذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين و ثلاثين و جاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوما واحدا
قال العماد الكاتب : كان للراشد الحسن اليوسفي و الكرم الحاتمي
قال ابن الجوزي : و قد ذكر الصولي أن الناس يقولون : إن كل سادس يقوم للناس يخلع فتأملت هذا فرأيته عجبا
قلت : و قد سقت بقية كلامه في الخطبة ولم تؤخذ البردة و القضيب من الراشد حتى قتل فأحضرا بعد قتله إلى المقتفي
● [ المقتفي لأمر الله ] ●
530 هـ ـ 555 هـ
المقتفي لأمر الله : أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله
ولد في الثاني و العشرين من ربيع الأول سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و أمه حبشية و بويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه و عمره أربعون سنة و سبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يقول له : سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله فلقب المقتفي لأمر الله و بعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل و مهد بغداد فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب و أثاث و ذهب و ستور و سرادق و لم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس و ثمانية أبغال برسم الماء فيقال : إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل و لا آلة سفر
ثم في سنة إحدى و ثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة و لم يترك له إلا العقار الخاص و أرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار فقال المقتفي : ما رأينا أعجب من أمرك ! أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى و أن الراشد ولي ففعل ما فعل و رحل و أخذ ما تبقى و لم يبق إلا الأثاث فأخذته كله و تصرفت في دار الضرب و أخذت التركات و الجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال ؟ و ما بقي إلا أن نخرج من الدار و نسلمها فإني عاهدت الله أن لا آخذ من المسلمين حبة ظلما فترك السلطان الأخذ من الخليفة و عاد إلى جباية الأملاك من الناس و صادر التجار فلقي الناس من ذلك شدة ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة و معاملاته و التركات إليه
و في هذه السنة رقب الهلال الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضا و كانت السماء جلية صاحية و مثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ
و في سنة ثلاث و ثلاثين كان ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها فأهلكت خلائق ثم خسف ببحترة و صار مكان البلد ماء أسود
و فيها استولى المراء على مغلات البلاد و عجز السلطان مسعود و لم يبق له إلا الاسم و تضعضع أيضا أمر السلطان سنجر فسبحان مذل الجبابرة و تمكن الخليفة المقتفي و زادت حرمته و علت كلمته و كان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية فلله الحمد
و في سنة إحدى و أربعين قدم السلطان مسعود بغداد و عمل دار ضرب فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب فقبض مسعود على حاجب الخليفة فغضب الخليفة و غلق الجامع و المساجد ثلاثة أيام ثم أطلق الحاجب فأطلق الضراب و سكن الأمر
و فيها جلس ابن العبادي الواعظ فحضر السلطان مسعود و تعرض بذكر مكس البيع و ما جرى على الناس ثم قال : يا سلطان العالم أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فاحسبني ذلك المطرب وهبه لي و اجعله شكرا لله بما أنعم عليك فأجاب و نودي في البلد بإسقاطه و طيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس و بين يديه الدباب و البوقات و سمرت و لم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح و قال : ما لنا حاجة بآثار الأعاجم
و في سنة ثلاث و أربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي و هو صاحب حلب يومئذ و أخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلمون و لله الحمد و هزم الفرنج و استمر نور الدين في قتال الفرنج و أخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين
و في سنة أربع و أربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله و أقيم ابنه الظافر إسماعيل
و فيها جاءت زلزلة عظيمة و ماجت بغداد نحو عشر مرات و تقطع منها جبل بحلوان
و في سنة خمس و أربعين جاء باليمن مطر كله دم و صارت الأرض مرشوشة بالدم و بقي أثره في ثياب الناس
و في سنة سبع و أربعين مات السلطان مسعود
قال ابن هبيرة و ـ هو وزير المقتفي ـ : لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود و أساؤوا الأدب و لم يمكن المجاهرة بالمحاربة اتفق الرأي على الدعاء عليه شهرا كما دعا النبي صلى الله عليه و سلم على رعل و ذكوان شهرا فابتدأ هو و الخليفة سرا كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع و عشرين من جمادى الأولى و استمر الأمر كل ليلة فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره و لم يزد على الشهر يوما و لا نقص يوما
و اتفق العسكر على سلطنة ملكشاه و قام بأمره خاصبك ثم أن خاصبك قبض على ملكشاه و طلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه فسلم إليه السلطنة و أمر الخليفة حينئذ و نهى و نفذت كلمته و عزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية و بلغه أن في نواحي واسط تخبطا فسار بعسكره و مهد البلاد و دخل الحلة و الكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا وزينب بغداد
و في سنة ثمان و أربعين خرجت الغز على السلطان سنجر و أسروه و أذاقوه الذل و ملكوا بلاده و بقوا الخطبة باسمه و بقي معهم صورة بلا معنى و صار يبكي على نفسه و له اسم السلطنة و راتبه في قدر راتب سائس من ساسته
و في سنة تسع و أربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي و أقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا و وهى أمر المصريين فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي و ولاه مصر و أمره بالمسير إليها و كان مشغولا بحرب الفرنج و هو يفتر من الجهاد و كان تملك دمشق في صفر من هذا العام و ملك عدة قلاع و حصون بالسيف و بالأمان من بلاد الروم و عظمت ممالكه و بعد صيته فبعث إليه المكتفي تقليدا و أمره بالمسير إلى مصر و لقبه [ بالملك العادل ] و عظم سلطان المقتفي و اشتدت شوكته و استظهر على المخالفين و أجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره و لم يزل أمره في تزايد و علوا إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة
قال الذهبي : كان المقتفي من سروات الخلفاء عالما أديبا شجاعا حليما دمث الأخلاق كامل السؤدد خليقا للإمامة قليل المثل في الأمة لا يجري في دولته أمر ـ و إن صغر ـ إلا بتوقيعه و كتب في خلافته ثلاث ربعات و سمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني
قال ابن السمعاني : و سمع جزاء ابن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه و الوزير ابن هبيرة وزيره و غيرهما و قد جدد المقتفي بابا للكعبة و اتخذ من العقيق تابوتا لدفنه و كان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع إلى الدين و عقل و فضل و رأي و سياسة جدد معالم الإمامة و مهد رسوم الخلافة و باشر الأمور بنفسه و غزا غير مرة و امتدت أيامه
و قال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية : كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل زاهرة بفعل الخيرات و كان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه و كان في أول أمره متشاغلا بالدين و نسخ العلوم و قراءة القرآن و لم ير مع سماحته و لين جانبه و رأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته و صرامته و شجاعته مع ما خص به من زهده و ورعه و عبادته و لم تزل جيوشه منصورة حيث يممت
و قال ابن الجوزي : من أيام المقتفي عادت بغداد و العراق إلى يد الخلفاء و لم يبق له منازع و قبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك و ليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة و من سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان و السلطان نور الدين محمود صاحب الشام و كان جوادا كريما محبا للحديث وسماعه معتنيا بالعلم مكر ما لأهله
قال ابن السمعاني : [ حدثنا أبو المنصور الجواليقي حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني حدثنا المخلص حدثنا إسماعيل الوراق حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا أبو سحيم حدثنا عبد العزيز ابن صهيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يزداد الأمراء إلا شدة و لا الناس إلا شحا و لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ]
و لما عاد المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلى به دخل عليه فما زاد على أن قال : السلام على أمير المؤمنين و رحمه الله ـ و كان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما ـ فقال : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي و قال : يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية و روى الحديث ثم قال : يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم و لن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي : صدقت و أحسنت المقتفي ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه
و ممن مات في أيام المقتفي من الأعلام : ابن الأبرش النحوي و يونس بن مغيث و جمال الإسلام بن المسلم الشافعي و أبو القاسم الأصفهاني صاحب لترغيب و ابن برجان و المازري المالكي صاحب كتاب [ المعلم بفوائد مسلم ] و الزمخشري و الرشاطي صاحب [ الأنساب ] و الجواليقي ـ و هو إمامه ـ و ابن عطية صاحب التفسير وأبو السعادات ابن الشجري و الإمام أبو بكر بن العربي و ناصح الدين الأرجاني الشاعر و القاضي عياض و الحافظ أبو الوليد بن الدباغ و أبو الأسعد هبة الرحمن القشيري و ابن علام الفرس المقرئ والرفاء الشاعر و الشهرستاني صاحب [ الملل و النحل ] و القيسراني الشاعر و محمد بن يحيى تلميذ الغزالي و أبو الفضل بن ناصر الحافظ و أبو الكرم الشهرزوري المقرئ و الوأواء الشاعر و ابن الجلاء إمام الشافعية و خلائق آخرون
● [ المستنجد بالله ] ●
555 هـ ـ 556 هـ
المستنجد بالله : أبو المظفر يوسف بن المقتفي
ولد سنة ثمان عشرة و خمسمائة و أمه أم ولد كرجية اسمها طاوس خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع و أربعين
و بويع له يوم موت أبيه و كان موصوفا بالعدل و الرفق أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا و كان شديدا على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضره رجل و بذل فيه عشرة آلاف دينار فقال : أنا أعطيك آلاف دينار و دلني على آخر مثله لأحبسه و أكف شره عن الناس
قال ابن الجوزي : و كان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب و الرأي الصائب و الذكاء الغالب و الفضل الباهر له نظم بديع و نثر بليغ و معرفة بعمل آلات الفلك و الإسطرلاب و غير ذلك
و من شعره :
( عيرتني بالشيب و هو وقار ... ليتها عيرت بما هو عار )
( إن تكن شابت الذوائب مني ... فالليالي تزينها الأقمار )
و له في بخيل :
( و باخل أشعل في بيته ... تكرمة منه لنا شمعة )
( فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت منه عينه دمعه )
و فيه في وزيره ابن هبيرة و قد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين :
( صفت نعمتان خصاتك و عمتا ... بذكرهما حتى القيامة تذكر )
( وجودك و الدنيا إليك فقيرة ... وجودك و المعروف في الناس منكر )
( فلو رام يا يحيى مكانك جعفر ... و يحيى لكفا عنه يحيى و جعفر )
( و لم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ ... مظفر إلا كنت أنت المظفر )
مات في ثمان ربيع الآخر سنة ست و ستين
و كان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر و قام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد
و في سنة اثنتين و ستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس لإلى مصر فنزل بالجيزه و حاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه و بين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره و كثرة عدوه و قتل من الفرنج ألوفا ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد و قصد الفرنج الإسكندرية و قد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب ـ و هو ابن أخي أسد الدين ـ فحاصروها أربعة أشهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام
و في سنة أربع و ستين قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم فملكوا بلبيس و حاصروا القاهرة فأحرقها صاحبها خوفا منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله و دخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة و خلع عليه فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة و ستين يوما فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب و قلده الأمور و لقبه [ الملك الناصر ] فقام بالسلطنة أتم قيام
و من أخبار المستنجد قال الذهبي : ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في المساء منذ مرض و كان يرى ضوؤها على الحيطان
و ممن مات في أيامه من الأعلام : الديلمي صاحب [ مسند الفردوس ] و العمراني صاحب [ البيان ] ـ من الشافعية و ابن البزري شافعي أهل الجزيرة و الوزير ابن هبيرة و الشيخ عبد القادر الجيلي و الإمام أبو سعيد السمعاني و أبو النجيب السهرودي أبو الحسن بن هزيل المقرئ و آخرون
● [ المستضيء بأمر الله ] ●
566 هـ ـ 575 هـ
المستضيء بأمر الله : الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله ولد سنة ست و ثلاثين و خمسمائة و أمه أم ولد أرمنية اسمها غضة بويع له بالخلافة يوم موت أبيه
قال ابن الجوزي : فنادى برفع المكوس ورد المظالم و أظهر من العدل و الكرم ما لم نره في أعمارنا و فرق ملا عظيما على الهاشميين و العلويين و العلماء و المدارس و الربط و كان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع ذا حلم و أناة و رأفة و لما استخلف خلع على أرباب الدولة و غيرهم فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفا و ثلثمائة قباء إبر سيم و خطب له على المنابر بغداد و نثرت الدنانير كما جرت العادة و ولي روح بن الحديثي القضاء و أمر سبعة عشر مملوكا و للحيص بيص فيه :
( يا إمام الهدى علوت على الجو ... د بمال و فضة و نضال )
( فوهبت الأعمار و الأمن و البلـ ... دان في ساعة مضت من نهار )
( فماذا يثني عليك و قد جا ... وزت فضل البحور و الأمطار )
( إنما أنت معجز مستقل ... خارق للعقول و الأفكار )
( جمعت نفسك الشريفة بالبأ ... س و بالجود بين ماء و نار )
قال ابن الجوزي : و احتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم و لا يدخل عليه غيرهم
و في خلافته انقضت دولة بني عبيد و خطب له بمصر و ضربت السكة باسمه و جاء البشير بذلك فعلقت الأسواق ببغداد و عملت القباب و صنفت كتابا سميته [ النصر على مصر ] هذا كلام ابن الجوزي
و قال الذهبي : في أيامه ضعف الرفض ببغداد و وهى و أمن الناس و رزق سعادة عظيمة في خلافته و خطب له باليمن و برقة و توزر و مصر إلى أسوان و دانت الملوك بطاعته و ذلك سنة سبع و ستين
و قال العماد الكاتب : استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة و سمع و هو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس و عفت البدعة و صفت الشرعة و أقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة و أعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء و تسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر و النفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه و سير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبي عصرون إلى بغداد و أمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام
فأنشأت بشارة أولها : الحمد لله معلي الحق و معلنه و موهي الباطل و موهنه و منها : و لم يبق بتلك البلاد منبر إلا و قد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين و تمهدت جوامع الجمع و تهدمت صوامع البدع ـ إلى أن قال : و طالما مرت عليها الحقب الخوالي و بقيت مائتين و ثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد و مكن لنا في الأرض و أقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد و الرفض
و تقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك و يورد الأدعياء و دعاة الإلحاد بها المهالك
و للعماد قصيدة في ذلك منها :
( قد خطبنا للمستضيء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر )
( و خذلنا لنصره العضد العا ... ضد و القاصر الذي بالقصر )
( و تركنا الدعي يدعوا ثبورا ... و هو تحت حجر و حصر )
و أرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع و التشريفات لنور الدين و صلاح الدين و أعلاما و بنودا للخطباء بمصر و سير للعماد الكاتب خلعة و مائة دينار فعمل قصيدة أخرى منها :
( أدالت بمصر لداعي الهدا ... ة و انتقمت من دعي اليهود )
و قال ابن لأثير : السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه و ضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يضع إلى قوله و أرسل إليه يلزمه بذلك و اتفق أن العاضد مرض فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق و منهم من خاف و كان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم فلما ما هم فيه من الإحجام قال : أنا أبتدئ بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب و دعا للمستضئ فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك و لم ينتطح فيها عنزان ـ و العاضد شديد المرض ـ فتوفي في يوم عاشوراء
و في سنة تسع و ستين أرسل نور الدين الخليفة بتقادم و تحف منها حمار مخطط و ثوب عتابي و خرج الخلق للفرجة عليه و كان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوي و هو بليد ناقص الفضيلة فقال رجل : إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار
و فيها وقع برد بالسواد كالنارنج هدم الدور و قتل جماعة و كثيرا من المواشي و زادت دجلة زيادة عظيمة بحيث عرفت بغداد و صليت خارج الجمعة خارج السور و زادت الفرات أيضا و أهلكت قرى و مزارع و ابتهل الخلق إلى الله تعالى و من العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة و دجيل قد هلكت مزارعه بالعطش
و فيها مات السلطان نور الدين ـ و كان صاحب دمشق ـ و ابنه الملك الصالح إسماعيل ـ و هو صبي ـ فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال و هودنوا
و فيها أراد جماعة من شيعة العبيديين و محبيهم إقامة الدعوة و ردها إلى آل العاضد و وافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين
و في سنة اثنتين و سبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر و القاهرة و جعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش
قال ابن الأثير : دورة تسعة و عشرون ألف ذراع و ثلثمائة ذراع بالهاشمي
و فيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم ـ و هي التي صارت دار السلطنة ـ و لم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين و هو أول من سكنها
و فيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي
و في سنة أربع و سبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل و ظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء و استغاث الناس استغاثة شديدة و بقي الأمر على ذلك إلى السحر
و في سنة خمس و سبعين مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال و عهد إلى ابنه أحمد
و ممن مات أيام المستضيء من الأعلام : ابن الخشاب النحوي و ملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي و الحافظ أبو العلاء الهمذاني و ناصح الدين بن الدهان النحوي و الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعي و الحيض بيص الشاعر و الحافظ أبو بكر بن خير و آخرون

خلفاء الدولة العباسية [ 8 ] Fasel10

كتاب : تاريخ الخلفاء
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطيي
منتدى ميراث الرسول - البوابة
خلفاء الدولة العباسية [ 8 ] E110


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 27 نوفمبر 2021 - 19:30