منتدى غذاؤك دواؤك

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد

avatar
غذاؤك
Admin


عدد المساهمات : 1934
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد Empty القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد

مُساهمة من طرف غذاؤك الأربعاء 10 فبراير 2021 - 10:55

القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد Fekyh_10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مكتبة الفقه الإسلامي
الفوائد في اختصار المقاصد
القسم الأخير من الكتاب
القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد 1410
● [ فصل فيما أباحه الشرع ] ●

أما بعد فإن الله سبحانه خلق عباده محتاجين مضطرين إلى المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والمراكب والحرف والصنائع خلق ذلك لهم دفعا لضروراتهم وحاجاتهم وحفظا لمدة حياتهم
وتمنن عليهم سبحانه في مواضع من كتابه بالتتمات والتكملات كالعسل واللؤلؤ والمرجان
وإذا تمنن سبحانه بالتتمات والتكملات فما الظن بالضرورات والحاجات وندبهم إلى الاقتصاد من ذلك على الأقوات وقدر الكفاف لئلا يشغلهم التوسع فيه عن عمل الآخرة
ولما علم سبحانه أن جميعهم لا يملكون ذلك خلق الذهب والفضة سبيلين إلى تحصيل هذه المنافع والأعيان لتنتفع بها العباد فيما يدعو إليه ضروراتهم أو حاجاتهم إما بإتلاف بعضها كالمآكل والمشارب وإما بالانتفاع ببعضها مع بقاء أعيانها كالملابس والمساكن والمناكح والمراكب
ولما علم سبحانه أن منهم من لا يملك المقاصد المذكورة ولا الوسائل علمهم من الحرف والصناعات ما يتوسلون به إلى تحصيل المقاصد والوسائل
وشرع سبحانه المعاوضات ليصل كل منهم إلى ما لا يملكه من ذلك إما بأخذ النقدين وإما بالمعاوضة على هذه الأعيان والغرض من الأعيان كلها منافعها ولذلك جوز الإجارات على منافع الإنسان ومنافع الأعيان ليرتفق الصناع من ملاك الأعيان بما يأخذونه من الأجور والأثمان ويرتفق الآخرون بما يحصل من منافع الزكوات والحمل والسكنى وليرتفق بالبناء والطحن والعجن والحرث والنسج ويرتفق الصناع بما يأخذونه من الأجور والباعة بما يأخذونه من الأثمان
ولما علم سبحانه أن في عباده من لا يقدر على شيء من الأعيان والأثمان والمنافع والصنائع فرض لهم الكفارات والزكوات ففرض العشر أو نصف العشر في كل مدخر مقتات لاحتياج الفقراء إلى ما يحتاج إليه الأغنياء من الادخار والاقتيات
وفرضها في الأنعام لينتفعوا بها بلحومها وشحومها وجلودها وألبانها ونتاجها ومنافع ظهورها وأصوافها وأوبارها وأشعارها مما يدفعون به الحاجات ويسدون الخلات
وأوجب في النقدين ربع العشر ليتوسلوا بها إلى ما يحتاجون إليه من المساكن والملابس وغير ذلك
ثم أباح لهم سبحانه المعاوضات رحمة لهم ليتوسلوا بها إلى تحصيل مصالحهم الدنيوية والأخروية إما بالنقود وإما بالعروض
وشرع سبحانه في كل تصرف ما تدعو الحاجة والضرورة إليه مما تحصل مقاصده من تلك الحاجات أو الضرورات فشرع في الإجارة ما تحصل مقاصدها وفي البياعات والولايات والمضاربات والمزارعات والمساقات مما تحصل مقاصدها
وشرع التبرعات نظرا للأغنياء بما يحصلون عليه من الثواب وللفقراء بما يحصلون عليه من دفع الحاجات والضرورات
وكذلك لما علم سبحانه مسيس الحاجات إلى المناكحات شرع الأنكحة لتحصيل مقاصدها من المودة والرحمة وكثرة النسل والتعاضد والتناصر
وشرع في الأنكحة بما لم يشرعه في غيرها من المعاملات إذ لا تتم مصالحها إلا بذلك كما جعل بعض المعاملات لازما بعضها جائزا وأحد طرفيه لازما من الآخر لعلمه بما يختص بكل طرف من تحصيل مصلحته أو تكميلها
ولما علم سبحانه أن من عباده الجائر المسرف والمقسط المنصف والقوي الضعيف أمر بنصب الخلفاء والقضاة والولاة ليدفعوا الهوى عن الضعيف والجائر المسرف عن العادل المنصف وليحفظوا الحقوق على العابثين والعاجزين وينصرفوا على الأيتام والمجانين فيحصل الولاة والقضاة والأئمة على أجور الآخرة ومصالحها وتحصيل المحكوم له على المصالح العاجلة وتخليص المحكوم من عهدة الخطأ والظلم فإن ذلك نصرة للظالمين والمظلومين
ولما علم سبحانه أن الولاة لا يقفون على الصادق من الخصمين ولا يميزون الظالم من المظلوم شرع الشهادات وتحملها وأداءها حتى يظهر للقضاة والخلفاء والحكام والولاة الظالم من المظلوم والعادل المنصف من الجائر المسرف
وشرع الأيمان الوازعة عن الكذب لإظهار صدق من تعرض عليه
ولما علم أن الولاة والقضاة لا يقدرون على القيام بما ولوه أوجب على أهل الكفاية مساعدتهم على جلب مصالح ولاياتهم ودرء مفاسدها
ولما علم سبحانه أن الآراء تختلف في معرفة الصالح والأصلح والفاسد والأفسد في معرفة خير الخيرين وشر الشرين حصر الإمامة العظمى في واحد كي يتعطل جلب المصالح ودرء المفاسد بسبب اختلاف الولاة في الصالح والأصلح والفاسد والأفسد
وشرط في الأئمة أن تكون أفضل الأمة لأن ذلك أقرب إلى طواعيتهم على المساعدة في جلب المصالح ودرء المفاسد وأمر بطواعية الأفاضل بشرط أن يكون الأئمة من قريش لأن الناس يبادرون إلى طواعية الأفاضل في الأنساب والأحساب والدين والعلم ويتقاعدون عن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عن طواعية أمثالهم فما الظن بمن هو دونهم ولما علم سبحانه أن من عباده من لا يقدر على القيام بجلب مصالح نفسه إليها ودرء مفاسدها عنها شرع الولاية الخاصة على المجانين والأطفال واللقطاء للأقوم بجلب مصالح المولى عليه ودرء المفاسد عنه مع الشفقة فجعل النظر في أمور الأطفال وأموالهم إلى الآباء والأجداد لأنهم أقوم بذلك من النساء
كما قدم النساء على الرجال في الحضانات لأنهن أعرف بذلك وأقوم به
وكذلك قدم في كل ولاية عامة أقوم الناس بتحصيل مصالحها ودرء مفاسدها حتى في إمامة الصلوات
ولما علم سبحانه أن في عباده من لا يزجره الوعيد ولا يردعه التهديد بالعذاب الشديد شرع العقوبات العاجلة كالحدود والتعزيرات والقصاص زجرا عن ارتكاب أسباب هذه العقوبات ولمثل هذا سب العاصين وذم المخالفين ومدح الطائعين ترغيبا في الطاعات وتنفيرا عن المعاصي والمخالفات
ولما علم أن في عباده من يصول على النفوس والأبضاع والأموال بالضرب والزجر والتهديد وبقطع الأغنياء وقتل النفوس شرع ردعهم حفظا للنفوس والأبضاع ومنافع الأموال
ولما علم أن في عباده من يمتنع من أداء الحقوق بالقتال ومن يبغي على الأئمة مع الشوكة شرع قتال هؤلاء إلى أن يرجعوا إلى الحق ويؤدوا ما يلزمهم من الحقوق التي امتنعوا منها وطاعة الأئمة التي خرجوا عنها
ولما علم الاحتياج إلى الجهاد شرع جهاد الدفع وجهاد الطلب وجهاد الدفع أفضل من جهاد الطلب

●●● فائدة في فضل العمل القاصر
رب عمل قاصر أفضل من عمل متعد كالعرفان والإيمان
وكذلك الحج والعمرة والصلاة والصيام والأذكار وقراءة القرآن
ورب عمل خفيف أفضل من عمل شاق لشرف الخفيف ودنو الشاق
ولا ثواب على مشاق الطاعات وإنما الثواب على عمل مشاقها لأن الطاعات كلها تعظيم ولا تعظيم في نفس المشاق
● [ فصل في تقديم المفضول على الفاضل ] ●


ويقدم المفضول على الفاضل عند اتساع وقت الفاضل وإمكان الجمع فيقدم سنن الصلوات وأذانها وإقامتها على الفريضة فإن ضاق الوقت بحيث لا يتسع إلا للفرض ترك الأذان والإقامة والسنن الراتبة ليوقع الفرض في وقته
وقد يقدم المفضول على الفاضل في بعض الأطوار كتقديم الدعاء بين السجدتين على القراءة وسائر الأذكار وكتقديم الدعاء والتشهد في السجود والقعود على القرآن وسائر الأذكار فإن الله عز وجل شرع في كل حال ما يناسبها من الطاعات

●●● فائدة في حقوق الله وحقوق العباد
حقوق الله وحقوق عباده إذا اجتمعت قدم أصلحها فأصلحها وخير بين متساويها
وقد تختلف في التساوي والتفاضل ولا تخرج المصالح عن كونها مصالح بتقديم أصلحها على صالحها ولا المفاسد عن كونها تتحمل فاسدها درءا لأفسدها
● [ فصل في القبض ] ●

يختلف القبض باختلاف المقبوض والغصب باختلاف المغصوب كالعقار والمنقول

●●● فائدة في المعاوضة
قد تجوز المعاوضة مع تساوي مصلحة العوض والمعوض منه من كل وجه كبيع درهم بمثله وصاع من المثلي بمثله ولا يملك ذلك الولي في حق المولى عليه
فائدة في فضل الإسرار والإعلان بالطاعات
من العبادات ما لم يشرع إلا مجهورة كالخطب والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومنها ما لم يشرع إلا سرا كقراءة الصلاة السرية وأذكارها
ومنها ما شرع سره وإعلانه وسره أفضل من إعلانه إلا لمن يقتدى به مع إخلاصه ليكون إعلانها أفضل كما في إعلانه من مصالح الاقتداء به
والإخلاص أن يريد الله وحده بعلمه
والرياء أن يظهر الطاعة ليجله الناس أو ينفعوه أو يجتنبوا ضره وأذيته
والرياء ضربان
أحدهما أن لا يعمل العمل إلا لأجل الناس
والثاني أن يعمل العمل لله وللناس تحصيلا لأغراض الرياء وليس نفع الناس في أديانهم برياء كتبليغ الرسالة والفتوى وتعليم العلم وانتظار المسبوق في الركوع إذا لم ينتظره إلا لله
والتسميع أن يذكر ما عمله خالصا لله ليحصل أغراض الرياء وإن سمع صادقا ليقتدى به مع أهليته لذلك فله أجران وإن سمع كاذبا فعليه وزران

●●● قاعدة في الجمع بين إحدى المصلحتين وبدل المصلحة الأخرى
وله أمثلة
منها وجود المحرم لماء لا يكفيه للوضوء ولغسل طيب محرم فيلزمه غسل الطيب والتيمم عن الوضوء بدلا عن مصلحة الوضوء
ومنها ظفر المضطر بطعام غيره فيلزمه أكله وغرم قيمته تحصيلا لبقاء حياته ولمصلحة بذل الطعام
ومنها سراية العتق تحصيلا لمصلحة العتق وبدل نصيب الشريك
ومنها تنفيذ إعتاق المرهون تحصيلا لمصلحة العتق ولبدل حق المرتهن بالقيمة
ومنها إعتاق الواقف إذا أبقينا ملكه وإعتاق الموقوف عليه إذا نقلنا الملك إليه فإنه ينفذ تحصيلا لمصلحة العتق وبدل ما يشتري بنسبة السراية إن كان الموقوف شائعا أو قيمة الجميع ويجعل البدل وقفا على مصارف الوقف الأصلي
ولهذا نظائر كثيرة
ولو عكس الأمر في ذلك لفات أعلى المصلحتين وحصل بعض مصلحة المبدل وهذا غير مألوف من تصرف الشرع ولا من تصرف العقلاء
فإن قيل الوقف لا يقبل الانتقال ولا تكون السراية إلا مع النقل
قلت لا يقبل الانتقال إلى نظير مصلحته أو دونها وأما ما هو أعلى من مصلحته مع بقاء مصلحته في البدل فلا
وقد اهتم الشرع بالعتق بحيث كمل مبعضه وسرى شائعه ولم ينقل مثل ذلك في الوقف
فإن قيل هلا نفذ إعتاق المفلس المحجور عليه بالفلس لأن في تنفيذه حصول مصالح العتق
قلت إنما لم ينفذ لأن مقصود الحجر المنع من العتق وغيره مع ما في تنفيذ العتق من تأخير حقوق الغرماء إلى غير أمد معلوم

●●● قاعدة فيما نهي عنه من الأقوال والأعمال
ما نهي عنه من الأقوال والأعمال أضراب
أحدها ما نهي عنه لفوات شرط من شرائطه أو ركن من أركانه فيدل النهي عنه على فساده
الضرب الثاني ما نهي عنه مع توفر شرائطه وأركانه فلا يكون النهي عنه مقتضيا لفساده مع توفر شرائطه وأركانه وإنما يتوجه النهي عنه إلى ما يقترن به من المفاسد
الضرب الثالث ما يختلف فيه النهي عنه لما يقترن به من المفاسد أو لفوات شرط من شرائطه أو ركن من أركانه فهذا باطل حملا للنهي على حقيقته فإن ما نهي عنه لما يقترن به مجاز إذا كان المطلوب تركه إنما هو المقترن المجاور دون المقترن به المجاور فمن اضطر إلى شرب الماء حرم عليه الوضوء به ولم ينه عنه لكونه طهارة بل نهى عنه لأنه إذا توضأ به فقد سعى في إهلاك نفسه وقد نهينا عن إهلاك أنفسنا فقيل لنا { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } النساء 4 / 29
وأما كراهة الصلوات في الأوقات المعلومات فليس منهيا عنه لعينها وكذلك التسبيح في القعود ليس منهيا عنه بعينه
وكذلك الصيام في يوم الشك نهى عنه كراهة أو تحريما
وكذلك الأذكار في الصلوات وقراءة القرآن في الحشوش وعلى قضاء الحاجات ليس منهيا لكونه ذكرا أو قراءة وإنما نهى عنه لما يقترن به من سوء الأدب وقلة الاحترام
وكذلك النهي عن كثير من المعاملات والأنكحة والنفقات
وعلى الجملة فالأذكار كلها مصالح فلا ينهى عنها إلا بما يقترن بها من المفاسد أو لما يؤدي إليه من السآمة والملل
والصلاة لا ينهى عنها إلا لما يقترن بها من الأماكن والأزمان أو لما يؤدى إليه من ترك إنقاذ الغرقى وصون الدماء والأبضاع
وكذلك الصيام لا ينهى عنه إلا لمشقة قادحة تلحق الصائم أو لإنقاذ هالك ودفع محرم مفسدته أعظم من مفسدة تأخير الصيام
وكذلك الولايات لا ينهى عنها لكونها وسيلة إلى إنصاف المظلومين من الظالمين وإنما ينهى عنها لما يقترن بها من الكبر والترأس والإعجاب والميل إلى الأقارب والأصدقاء على الأجانب والأعداء أو لتقصير في حق الضعفاء
وكذلك ما نهى عنه من المصالح المستلزمة للمفاسد لم ينه عنه لكونها مصالح بل لاستلزام تلك المفاسد
وكذلك ما يؤمر به من المفاسد المستلزمة للمصالح لم يؤمر به لكونها مفاسد بل لما تستلزمه من تلك المصالح
ولا يوجد في هذه الشريعة مصلحة محضة منهيا عنها ولا مفسدة محضة مأمورا بها وذلك كله من لطف الله عز وجل بعباده وبره ورحمته ولا فرق في ذلك بين دقه وجله وكبيره وقليله وجليله وخطيره إلا أن خفيف المصالح مستحب وخطيرها واجب وخفيف المفاسد مكروه وكثيرها محرم
وكلما عظمت المصلحة تأكد الأمر بها بالوعد والمدح والثناء إلى أن تنتهي المصلحة إلى أعظم المصالح وعلى ذلك تبنى فضائل الأعمال
وكذلك كلما عظمت المفسدة تأكد النهي عنها بالوعيد والذم والتهديد إلى أن تنتهي المفسدة إلى أكبر الكبائر

●●● فائدة في بيان المصالح المأمور بها
المصالح المأمور بها ثلاثة أضرب
أحدها ما لا يكون إلا واحدا ولم يشرع منه ندب كالسعي بين الصفاة والمروة والوقوف بعرفة ورمي الجمار إذ لايتطوع بواحد منهن
الثاني ما يجب تارة لعظم مصلحته ويندب إليه تارة لانحطاط مصلحته عن مصلحته الواجبة وذلك كالصوم والصلاة
والضرب الثالث لا يكون إلا تطوعا إلا أن يندب وهو الاعتكاف
وأما الحج والعمرة والصلاة والصدقة والأذكار وقراءة القرآن فإنها انقسمت إلى فرض ونفل تحصيلا للمصلحتين الفرض والندب
فإن قيل هلا وجبت هذه المندوبات تحصيلا لمصالح الواجب في الآخرة
قلنا لو أوجبها الله سبحانه لفرطوا فيها وتعرضوا لسخطه وعقابه فندب إليها لمصالحها ولم يوجبها دفعا لمفاسد تركها و والتعرض للعقاب المتعلق بإيجابها وجعل للعباد طريقا إلى إيجابها بالنذور والالتزام تقديما لمصالح
أخراهم على مصالح دنياهم ومعظم الشريعة الأمر بما ظهرت لنا مصلحته ورجحان مصلحته والنهي عن ما ظهرت لنا مفسدته أو رجحان مفسدته
وأما ما أمرنا به ولم يظهر جلبه لمصلحة ولا درؤه لمفسدة فهو المعبر عنه بالتعبد
وكذلك ما نهانا عنه ولم تظهر مفسدته ولا درؤه لمفسدة ولا يفوت مصلحة فهذا تعبد أيضا فيجوز أن يشتمل على مصلحة خفية أو مفسدة باطنة ويجوز أن لا يشتمل على ذلك ويكون مصلحته الثواب على مسألة المأمور به واجتناب المنهي عنه وهو قليل بالنسبة إلى ما ظهر مصالحه ومفاسده
وكل ما فيه إجلال لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إحسان من العبد إلى نفسه فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إضرار من العبد بنفسه فهو منهي عنه كراهة أو تحريما وكل ما فيه إحسان من العبد إلى غيره من إنسان أو حيوان فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إساءة منحطة عن إساءة المحرم فهو منهي عنه كراهة
والإحسان راجع إلى جلب المصالح الخالصة أو الراجحة ودرء المفاسد الخالصة أو الراجحة
وكذلك الإساءة راجعة إلى درء المصالح الخالصة أو الراجحة وجلب المفاسد الخالصة أو الراجحة وقد اندرجت المصالح كلها دقها وجلها قليلها وكثيرها جليلها وخطيرها في قوله عز وجل { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } الزلزلة 99 / 7 وكذلك قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } النحل 16 / 90 وإنما يطول العناء في ترجيح بعض الخيور على بعض الشرور وترجيح بعض الشرور على بعض الخيور وفي ترجيح بعض الخيور على بعض وترجيح بعض الشرور على بعض فإن الوقف على ذلك عسير ولأجله عظم الخلاف وطال النزاع بين العلماء ولا سيما فيما رجح من الخيور أو الشرور بمثقال ذرة ألا ترى أن ولي اليتيم ووكيل بيت المال إذا عرضا بيتا للبيع فزيد فيه أقل ما تقول لم يكن لهما تفويت ذلك على المولى عليه ولو باعاه لما صح البيع لأن تفويت أقل ما يتمول داخل في قوله تعالى { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } الزلزلة 99 / 8
● [ فصل في التقديرات ] ●

التقدير ضربان
أحدهما إعطاء الموجود حكم المعدوم
والثاني إعطاء المعدوم حكم الموجود
فأما إعطاء المعدوم حكم الموجود فكإجراء أحكام الكفر والإيمان على المجانين والأطفال وحكم الإخلاص والرياء والنبوة والرسالة والصداقة والعداوة والحسد والغبطة وصوم التطوع قبل النية والذمم والديون وتقدير الذهب والفضة في العروض والملك والحرية والملك في المنافع والأعيان
وأما إعطاء الموجود حكم المعدوم فكتقدير الماء المحتاج إليه في التيمم والرقبة المحتاج إليها في الكفارة مفقودين ومن وجد فيه سبب متلف فوقع التلف بعد موته فإنا نقدره موجودا قبل موته أو عند سببه
● [ فصل فيما تحمل عليه الألفاظ ] ●

تحمل الألفاظ على الوضع اللغوي والعرفي والشرعي فمن نوى شيئا يخالف ظاهر لفظه فإن لم يحتمله لفظه فلا عبرة بنيته وإن احتمله لفظه دين ولم يقبل في الحكم إلا في اليمين على نية المستحلف وإن نوى الوضع ففيه خلاف
● [ فصل فيما بني من الأحكام على خلاف ظواهر الأدلة ] ●

وذلك كدعوى البر التقي على الفاجر الغوي وتحليف البر التقي للفاجر الغوي ولحاق الولد بعد انقضاء العدة بالحيض بدون أربع سنين وكذلك إلحاقه لستة أشهر مع الندرة
وكذلك لو زنت ثم تزوجت وولدت لتسعة أشهر من حين الزنا ولستة أشهر من حين النكاح فإنه يلحق النكاح
ولو حاضت أمته بعد الوطء ثم أتت بولد لتسعة أشهر من الوطء فإنه لا يلحق عند الشافعي
ولو قال علي مال عظيم أو خطير حمل على أقل ما يتمول
ولو قال أنت أزنى الناس أو أزنى من زيد لم يحد لواحد منهما
ولو حلف بالقرآن يحمل على كلام النفس مع شدة ظهوره في الألفاظ
وكذلك قبول قول الزوجة في نفي النفقة مع المعاشرة وتشريك الزوجين فيما يختص بكل واحد منهما عند التنازع
وكذلك إذا قال لامرأته إن رأيت الهلال فأنت طالق فرآه غيرها طلقت عند الشافعي حملا للرؤية على العرفان وخالفه أبو حنيفة في ذلك
● [ فصل في تنزيل الدلالة العادية منزلة الدلالة اللفظية ] ●

وذلك كحمل الأجور والأثمان على أجرة المثل وثمن المثل ونقود البلدان وحمل الإذن في الأنكحة على الكفء ومهر المثل
وإن علق الطلاق على إعطاء ألف يقيد الإعطاء بالمجلس للعرف وكذلك إبقاء الثمرة المزهية إذا بيعت إلى أوان جدادها والتمكين من سقيها بماء بائعها
وكذلك الحمل على حرز المثل وحمل الصناعات على صناعات المثل كالطبخ والخبز والعجين والخياطة والبناء والسير المعتاد في الأسفار وخروج أوقات الصلوات عن الدخول في الإجارات ونذر الاعتكاف عن أوقات قضاء الحاجات وتوزيع أعواض المثلي على قيم المعوضات
وكذلك دلالات اتصال الجدر ووضعها على مالكها ومستحقها ودلالة الأيدي على الاستحقاق
وكذلك الاستصناع وتقديم الطعام إلى الضيفان ودخول الحمامات والخانات ودور الحكام والولاة في أوقات العادات
وكذلك دخول الدور بإذن الصبيان
وكذلك الشرب والتطهر من الجداول على ما جرت به العادات
وكذلك حمل الألفاظ العربية على ما يصح من عرف العبادات والمعاملات كالصلاة والزكاة والبياعات والإجارات والطلاق والعتاق
وكذلك استعمال لفظ الأخبار في الإنشاءات في العتق والطلاق والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات والمعاملات
وكذلك حمل ألفاظ الأوقاف والمدارس على ما غلب من العادات وإدراج الأشجار وثياب الرقيق في البيع المطلق والرجوع في الركاز إلى العلامات وحمل الإذن في الحدود والتعزيرات على الضرب المقتصد وإقامة إشارة الأخرس مقام الألفاظ
● [ فصل في فضائل الوسائل ] ●

فضل الوسائل مرتب على فضل المقاصد فالأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل مصلحة ذلك المعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر
والأمر بالإيمان أفضل من كل أمر والنهي عن الكفر أفضل من كل نهي
والنهي عن الكبائر أفضل من النهي عن الصغائر والنهي عن كل كبيرة أفضل من النهي عما دونها
وكذلك الأمر بما تركه كبيرة أفضل من الأمر بما تركه صغيرة
ثم تترتب رتب فضائل الأمر والنهي على رتب المصالح والمفاسد
وتترتب رتب الشهادات على رتب المشهود به من جلب المصالح ودرء المفاسد
وكذلك يترتب تصرف الحكام والولاة على ترتب ما يجلبه تصرفهم من جلب المصالح ودرء المفاسد
وكذلك الفتاوى
وكذلك تترتب رتب المعونات والمساعدات على البر والتقوى على رتب مصالحها كما تترتب مراتب المعاونة على الإثم والعدوان على ترتبهما في المفاسد

●●● فائدة في أسباب الشرع
لما علم الرب عز وجل احتياج الناس إلى المنافع والأعيان والمآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن أباح البياعات والإجارات وسائر المعاملات على المنافع والأعيان النافعات
ولما علم أن فيهم المحتاجين العجزة عن دفع الحاجات شرع الزكوات والصدقات
ولما علم أن فيهم من لا يزجره الوعيد والتهديد شرع الحدود والتعزيرات دفعا لمفاسد أسبابها
ولما علم أن أكثرهم لا ينصفون وأن فيهم العجزة عن الانتصاف لأنفسهم نصب الحكام وولاة أمور الإسلام لإنصاف المظلومين من الظالمين وحفظ الحقوق عن الصبيان والمجانين والعاجزين والغائبين
وكذلك نصب الحجج الشرعية كالأقارير والبينات وتحليف من رجح جانبه بظاهر يد أو أصل أو حلف بعد نكول
ولما علم الاحتياج إلى الأنكحة شرعها تحصيلا لمصالحها
ولما علم الاحتياج إلى الجهاد شرع جهاد الدفع وجهاد الطلب وجهاد الدفع أفضل من جهاد الطلب
ولما علم أن الولاة والقضاة لا يقدرون على القيام بما ولوه أوجب على أهل الكفاية مساعدتهم على مصالح ولايتهم ودرء مفاسدها
ولما علم أن الآراء تختلف في معرفة الصالح والأصلح والفاسد والأفسد وفي معرفة خير الخيرين وشر الشرين حصر الإمامة العظمى في واحد كيلا يتعطل جلب المصالح ودرء المفاسد بسبب اختلاف الولاة في الصالح والأصلح والفاسد والأفسد
وشرط في الأئمة أن يكونوا أفضل الأمة لأن ذلك أقرب إلى طواعيتهم على المساعدة في جلب المصالح ودرء المفاسد
ولقرب طواعية الأفاضل شرط أن يكون الأئمة من قريش لأن الناس يبادرون إلى طواعية الأفاضل ويتقاعدون عن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عن طواعية أمثالهم فما الظن بمن هو دونهم
ولذلك قدم في كل ولاية أعرف الخلق بمصالحها ومفاسدها وأعرفهم بأحكامها وإن كان قاصرا في معرفة أحكام غيرها وجاهلا بها إذ لا يضره ذلك في ولايته
ومن رحمته بعباده أن نفذ تصرف أئمة الجور والبغاة فيما وافق الشرع جلبا لمصالح الرعايا ودفعا للمفاسد عنهم
● [ فصل في تعرف المصالح والمفاسد ] ●

ما أمر الله بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما
وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما
وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة
ولكل من هذه المصالح رتب متساوية ومتفاوتة في الفساد والصلاح والرجحان وأكثرها ظاهر جلي وأقلها باطن خفي يستدل عليها بأدلتها التي نصبها الله عز وجل لها ومنها ما لا يظهر فيه مصلحة ولا مفسدة سوى مصلحة جلب الثواب ودفع العقاب ويعبر عنه بالتعبد

●●● فائدة في حكم الشرع في الجدل والمناظرة
لا يجوز الجدل والمناظرة إلا لإظهار الحق ونصرته ليعرف ويعمل به فمن جادل لذلك فقد أطاع وأصاب ومن جادل لغرض آخر فقد عصى وخاب
ولا خير فيمن يتحيل لنصرة مذهبه مع ضعفه وبعد أدلته من الصواب بأن يتأول السنة أو الإجماع أو الكتاب على غير الحق والصواب وذلك بالتأويلات الفاسدة والأجوبة النادرة
● [ فصل في صلاح القلوب والأجساد وفسادهما ] ●

قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب
ومعناه إذا صلح القلب بالمعارف والأحوال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان وإذا فسد بأضداد العرفان والأحوال فسد الجسد كله بالمخالفة والعصيان
والأفراح واللذات تختلف باختلاف المفروح به والمتلذذ به فلذات الجنان أفضل اللذات وأفراحها أفضل الأفراح كما أن غموم النار شر الغموم وآلامها شر الآلام وكذلك لذات العرفان أفضل من لذات الاعتقاد
● [ فصل في أعمال القلوب ] ●
كالمعارف والأحوال والنيات والقصود

جعل الله عز وجل لكل معرفة حالا ينشأ عنها
فمن عرف نعمة الله تعالى كان حاله الخوف
ومن عرف سعة رحمة الله كان حاله الرجاء
ومن عرف توحيد الرب وبالنفع والضر والرفع والخفض لم يتوكل في جلب النفع ودفع الضر والإعطاء والحرمان إلا عليه ولم يفوض أمره إلا إليه
ومن عرف عظمته وجلاله كانت حاله الإجلال والمهابة
ومن عرف اطلاعه على أحواله استحيى منه أن يخالفه
ومن عرف سماعه لأقواله استحيى أن يقول ما لا يرضيه
ومن عرف إحسانه إليه وإفضاله عليه كانت حاله المحبة
ومن عرف جماله وجلاله كانت حاله المحبة وكانت محبته أفضل من محبة من عرف إحسانه وإفضاله
وأكثر ما يحضر المعارف بالاستحضار والأفكار أو بالسماع من الأبرار والأخيار
فمن استحضر صفة من تلك الصفات أثمرت له حالا يناسبها ويوافقها وينشأ عن تلك الحال من الأقوال والأعمال ما يطابقها ويوافقها
فمن لاحظ شدة النقمة حصل له الخوف وما ينبني عليه من الحزن والبكاء والانقباض وتخويف العباد
ومن لاحظ سعة الرحمة حصل له من الانبساط ويرجيه اليأس ما يناسب ما حصل له من الرجاء
ومن لاحظ صفة الجمال حصل له من الحب وما ينبني عليه من الشوق وخوف الفراق وإنس التلاق والسرور والفرح
ومن لاحظ سماعه لأقواله ورؤيته لأعماله كانت حاله الحياء المانع من مخالفته في الأقوال والأعمال وسائر الأحوال
وقد يصيح بعضهم لغلبة الحال إليه وإلجائها إياه إلى الصياح ومن صاح لغير ذلك فمتصنع ليس من القوم في شيء
وكذلك من أظهر شيئا من الأحوال رياء وتسميعا فإنه ملحق بالفجار لا بالأبرار

●●● فائدة في المفاضلة بين الأولياء
المهابة والإجلال أفضل من الخوف والرجاء فإذا أردت أن تعرف فضائل الأولياء فانظر إلى ما يظهر عليهم من آثار المعارف والأحوال فأيهم غلب عليه أفضلها كالتعظيم والإجلال فهو أفضل الرجال وأيهم غلب عليه أدناها كالخوف والرجاء فهو أدنى الرجال
● [ فصل في بيان الفضائل ] ●

فضل الله تعالى بعض الأماكن على بعض وبعض الأزمان على بعض وليس فضلهما براجع إلى أوصاف قائمة فيهما وإنما فضلهما بما يتفضل به الرب سبحانه فيهما من إحسانه وكثرة ثوابه على الطاعات ومغفرته الزلات
وأما تفضيل بعض الجمادات فبأوصاف حقيقته كتفضيل اللؤلؤ والمرجان على غيرهما وتفضيل الأجرام النيرات على غيرها
وأما تفضيل بعض الحيوان على بعض فبالعقل والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والأوصاف الكريمة الجبلية كالرحمة والشفقة والكرم والحياء والجود والسخاء والحلم والأناة
وأفضل المعارف معرفة ما يجب للرب سبحانه من أوصاف الكمال ونعوت الجلال وسلب كل عيب ونقصان وجواز مآله أن يفعله وأن لا يفعله كإنزال الكتب وإرسال الرسل والبعث والحساب والثواب والعقاب
ولكل معرفة من هذه المعارف حال ينشأ عنها ويستفاد منها
ولكل حال من تلك الأحوال آثار جميلة وأحوال فضيلة
واعلم أن الفضل يقع بالمعارف والأحوال والطاعات وبكثرة إحسان الخالق إلى المخلوق وإن لم يكن من المعارف والأحوال والطاعات
وقد أحسن الله تعالى إلى النبيين والمرسلين وأفاضل المؤمنين بالمعارف والأحوال والطاعات والإذعان ونعيم الجنان ورضا الرحمن والنظر إلى الديان سبحانه مع سماع تسليمه وكلامه وتبشيره بتأبد الرضوان ولم يثبت للملائكة مثل ذلك
ولا شك أن أجساد الملائكة أفضل من أجساد البشر
وأما أرواحهم فإن كانت أعرف بالله تعالى وأكمل أحوالا من أحوال البشر فهم أفضل من البشر وإن استوى الأرواح في ذلك فقد فضلوا على البشر بالأجساد فإن أجسادهم من نور وأجساد البشر من لحم ودم
وفضل البشر الملائكة بما ذكرناه من نعيم الجنان وقرب الديان ورضاه وتسليمه وتقريبه والنظر إلى وجهه الكريم
وإن فضلهم البشر في المعارف والأحوال والطاعات كانوا بذلك أفضل منهم وبما ذكرناه مما وعدوا به في الجنان
ولا شك أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصبر ومجاهدة الهوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على البلايا والمحن والرزايا وتحمل مشاق العبادات لأجل الله تعالى وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويسلم عليهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم أبدا ولم يثبت مثل هذا للملائكة وإن كان الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون فرب عمل قليل يسير أفضل من تسبيح كثير وكم من نائم أفضل من قائم وقد قال الله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } البينة 98 / 7 أي خير الخليقة والملائكة من خير الخليقة لا يقال الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن هذا اللفظ مخصوص في عرف الشرع بمن آمن من البشر فلا يندرج فيه الملائكة الأبرار لعرف الاستعمال
فإن قيل لعل الملائكة يرون ربهم كما يراه الأبرار قلت يمنع منه عموم قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } الأنعام 6 / 103 وقد استثني منه المؤمنون فبقي على عمومه في الملائكة الأبرار
● [ فصل في مراتب القرب ] ●

اعلم أن درجات الجنة مختلفة باختلاف الأعمال
فليس من عبد الله مقدرا أنه يرى الله كمن عبد الله مقدرا أن الله تعالى يراه
وليس من عبد الله على خلاف ذلك كمن عبد الله كأن الله يراه
وللمؤمنين درجات في الإيمان عليات ودنيات ومتوسطات
وللمجاهدين مئة درجة في الجنة مترتب أعلاها على أعلى رتب الجهاد وأدناها على أدناها
وكذلك رتب المصلين والصائمين والولاة المقسطين والشهود الصادقين والصابرين على الطاعات والبليات وعن المعاصي والمخالفات وعلى بر الآباء والأمهات والبنين والبنات وعلى هذه الدرجات يترتب سبقهم إلى الجنان
فإذا تساوى اثنان في الإيمان والعرفان فإن استويا في مقادير الإيمان الحقيقي أو الحكمي فدرجتهما واحدة فيما استويا فيه وإن تفاوتا في الكثرة والقلة كانت درجة ذي الكثرة من درجة ذي القلة
ولو استوى اثنان في عدد الصلاة فإن استويا في كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وفهم أذكارها وقراءتها فهما في درجة واحدة وإن تفاوتا في ذلك كان أكملهما أعلى درجة من أنقصهما
وإن استوى اثنان في جهاد الدفع فإن استويا في الإخلاص وإرادة إعلاء كلمة الله تعالى وفي المدفوع عنه فدرجتهما واحدة وإن تفاوتا في النية وكثرة من قتل أو في شرف المدفوع عنه كالدفع عن الأنبياء والأولياء كان أشرفهما في الدرجة العليا والآخر في الدرجة الدنيا وكذلك جميع ما يتقرب به إلى الله عز وجل
ومعنى تفاوت الدرجات أن يكون لكل واحد من العاملين نصيبه من الجنة درجات مرتبات على رتب أعماله عاليات ودانيات ومتوسطات يتردد بينها على ما تشتهى نفسه وتلتذ عينه وقد صح أن الله عز وجل أعد للمجاهدين في سبيله مئة درجة بين كل درجتين مئة عام
ولو آمن إنسان قبل موته بلحظة لم يكن أجره كأجر إيمان من آمن قبل موته بيوم ولا أجر من آمن قبل موته بيوم كأجر من آمن قبل موته بشهر ولا أجر من آمن قبل موته بشهر كأجر من آمن قبل موته بعام فليس من طال عمره في الطاعات والإيمان كمن قصر عمره ولهذا قال صلى الله عليه وسلم خيركم من طال عمره وحسن عمله
وقال صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإنه لا يزيد أحدكم عمره إلا خيرا إما محسن فيزداد وإما مسيء فيستعتب
ولمثل هذا شح الأولياء على الأوقات أن يصرفوها في غير الطاعات
وكذلك يترتب عذاب جهنم على ترتب هذه المفاسد وكثرتها وقلتها فالعذاب على الزنا دون العذاب على القتل والعذاب على أكبر الكبائر دون العذاب على الكفر وليس من كفر قبل موته بلحظة كمن أقام على الكفر يوما أو شهرا أو مئة عام والله أعلم
● [ تم كتاب الفوائد في اختصار المقاصد ] ●

القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد Fasel10

كتاب : الفوائد في اختصار المقاصد
المؤلف : عبد العزيز بن عبد السلام السلمي
منتدى صبايا مصرية - البوابة
القسم الأخير من كتاب الفوائد في اختصار المقاصد E110


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 27 نوفمبر 2021 - 19:05