منتدى غذاؤك دواؤك

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو

avatar
غذاؤك
Admin


عدد المساهمات : 1998
تاريخ التسجيل : 12/11/2013

صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو Empty صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو

مُساهمة من طرف غذاؤك الثلاثاء 5 أكتوبر 2021 - 5:39

صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو Nahw10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مكتبة الثقافة الأدبية
الأصول في النحو
صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو 1410
● [ توابع الأسماء في إعرابها ] ●

التوابع خمسة : التوكيد والنعت وعطف البيان والبدل والعطف بالحروف وهذه الخمسة : أربعة تتبع بغير متوسط والخامس وهو العطف لا يتبع إلا بتوسط حرف فجميع هذه تجري على الثاني ما جرى على الأول من الرفع والنصب والخفضِ
● [ شرح الأول : وهو التوكيد ] ●

التوكيد يجيء على ضربين إما توكيد بتكرير الإسم وإما أن يؤكد بما يحيط به
● الأول : وهو تكرير الإسم :
اعلم : أنه يجيء على ضربين ضرب يعاد فيه الإسم بلفظه وضرب يعاد معناه فأما ما يعاد بلفظه فنحو قولك : رأيت زيداً زيداً ولقيت عمراً عمراً وهذا زيدٌ زيدٌ ومررت بزيدٍ زيدٍ وهذا الضرب يصلح في الأفعال والحروف والجمل وفي كل كلام تريد تأكيده فأما الفعل فتقول : قام عمرو قامَ وقم قمْ واجلس اجلسْ قال الشاعر :
( ألا فَاسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثَمَّتَ اسْلَمِي ... ثَلاثُ تَحيَّاتٍ وإنْ لم تكلَّميِ )
وأما الحروف فنحو قولك : في الدار زيدٌ قائمٌ فيها فتعيد
فيها ( توكيداً ) وفيك زيدٌ راغِبٌ فيك وقال الله عز و جل : ( وأما الذين سُعِدُوا ففي الجنةِ خالدينَ فيها ) إلا أن الحرف إنما يكرر مع ما يتصل به لا سيما إذا كان عاملاً وأما الجملُ فنحو قولك : قام عمرو قام عمرو وزيدٌ منطلقٌ وزيد منطلقٌ والله أكبر الله أكبر وكل كلام تريد تأكيده فلك أن تكرره بلفظه
الثاني : الذي هو إعادة المعنى بلفظٍ آخر نحو قولك : مررتُ بزيدٍ نفسهِ وبكم أنفسكم وجاءني زيدٌ نفسُه ورأيت زيداً نفسَهُ ومررت بهم أنفسِهم فحق هذا أن يتكلم به المتكلم في عقب شك منه ومن مخاطبه فتقول : مررت بزيدٍ نفسِه كما تقول : مررت بزيدٍ لا أشك ومررت بزيد حقاً لتزيل الشك فإذا قلت : قمت نفسُك فهو ضعيف لأن النفس لم تتمكن في التأكيد لأنها تكون اسماً تقول : نزلتُ بنفس الجبلِ وخرجت نفسه وأخرج الله نفسه فلما وصلتها الإسم المضمر في الفعل الذي قد صار كأحد حروفه فأسكنت له ما كان في الفعل متحركاً ضعف ذلك من حيث ضعف العطف عليه
فإن أكدته ظهر ما يجوز أن تحمل النفس عليه فقلت : قمتَ أنتَ نفسُكَ وقاموا هم أنفسُهم فإن أتبعته منصوباً أو مجروراً حسنٌ لأن المنصوب والمجرور لا يغيران الفعل تقول : رأيتكم أنفسكم ومررت بكم أنفسِكم ومررتُ بكم أنفسِكم وتقول : إن زيداً قامَ هو نفسُه فتؤكد المضمر الفاعل المتصل بالمكنى المنفصل وتؤكد المكنى المنفصل بالنفس كالظاهر
إن زيداً قامَ نفسُه فحملتَهُ على المنصوب جاز وكذلك : مررت بهِ نفسِه ورأيتُك نفسَك لأن المنصوب والمجرور المضمرين لا يغيرُ لهما الفعل
● الضرب الثاني في التأكيد وهو ما يجيء للإِحاطة والعموم :
تقول : جاءني القومُ أجمعون وجاءني القومُ كلهُم وجاءوني أجمعون وكلهم وإن المال لكَ أجمع أكتعٌ ترفع إذا أردت أن تؤكد ما في ( لك ) وإذا أردت أن تؤكد المال بعينه نصبت وكذلك : مررتُ بدارك جمعاء كتعاء أو مررت بنسائك جمع كتع
ولا يجوز بزيدٍ أجمع ولا بزيدٍ كلِه وإنما يجوز ذلك فيما جازت عليه التفرقة
وأجمعون وما تصرف منها وكل إذا كانت مضافة إلى الضمير وجميعهن يجرين على كل مضمر إلا أجمعين لا تكون إلا تابعة لا تقول : رأيت أجمعين ولا مررت بأجمعين لا يجوز أن يلي رافعاً ولا ناصباً ولا جاراً فلما قويت في الإتباعِ تمكنت فيه وصلح ذلك في ( كُلٍّ ) لأنها في معنى ( أجمعين ) في العموم وذلك قولك : إن قومك جاءوني أجمعون ومررت بكم أجمعين فمعناها العموم وذلك مخالف لمعنى نفسه وأنفسهم لأن أنفسهم وأخواتها تثبت بعد الشك فإذا قلت : مررتُ بهم كلِّهم فهو بمنزلة ( أجمعين ) ومررت بهم جميعهم وتقول : مررت بدارك كلها ولا تقول : مررت بزيدٍ كله ولو قلت : أخذت درهماً أجمع لم يجزْ لأن درهماً نكرة وأجمع معرفة كما لا يجوز : مررت برجلٍ الظريف إلا على البَدلِ ولا يجوز البدل في ( أجمَعَ ) لأنه لا يلي العوامل ولكن يجوز أخذت الدرهم أجمع وأكلت الرغيف كله
فأما : قولهم : مررت بالرجلِ كُلِّ الرجلِ فقال أبو العباس معناه : مررت بالرجل المستحقِّ لأن يكون الرجلَ الكاملَ لأنك لا تقول : ذاك إلا وأنت تريد حزمه ونفاذه أو جبنه وشجاعتَهُ وما أشبه ذلك فإذا قلت مررت بالرجلِ كل الرجلِ فهو كقولك : مررت بالعالمِ حقِّ العالمِ ومررت بالظريف حقِّ الظريفِ ولو قلت على هذا : مررت بزيدٍ كل الرجل لم يجز إلا ضعيفاً لأن زيداً اسم علم وليس فيه معنى تقريظ ولا تخسيس وكذلك : مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ وبعالم حق عالمٍ وبتاجر خيرِ تاجرٍ فجميع هذا ثناء مؤكد وليس بنعت يخلص واحداً من آخر ولو قلت : زيدٌ كلُّ الرجلِ فجعلته خبراً صَلُحَ لأنه ليس بتأكيد لشيء ولكنه ثناءٌ خالص كما تقول : زيدٌ حقٌّ العالمِ وزيد عينُ العالم لأنك لو قلت : مررت بزيدٍ حَقِّ العالمِ لم يكن هذا موضعه وتقول : مررت بالرجلين كليهما ومررت بالمرأتين كلتيهما ولك أن تجري ثلاثتهم وأربعتَهم مجرى كلهم فتقول : مررت بهم ثلاثتهم ولك أن تنصب كما تنصب ( وحدَهُ ) في قولك : مررت برجلٍ وحدَهُ وكذلك المؤنث : مررت بهن ثلاثَتِهن وأربعَتهن ولك أن تقول : أتينني ثلاثتهن وأربعتهن نصباً ورفعاً قال الأخفش : فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلا مفتوحاً إلى العشرين تقول للنساء أتينني ثماني عشرهن وللرجال أتوني ثمانية عشرهم وأما نصبكَ ( وحدَهُ ) فعلى المصدر كأنك قلت : أوحدَتُه إيحاداً فصار وحده كقولك : إيحاداً كأنك قلت : أفردتهُ إفراداً وتقول : إنَّ المالَ لكَ أجمع أكتعُ إذا أردت أن تؤكد ما في ( لكَ )
وأما ( كُلهم ) فالأحسن أن تكون جامعين وقد يجوز أن تلي العوامل وتقول إن القومَ جاءوني كلهُم وكلَهم : النصب إذا أكدت ( القومَ ) والرفع إذا أكدت الفاعلين المضمرين في ( جاءوني ) ويجوز أن تقول : إن قومَك كلهُم ذاهبٌ يحسن عند الخايل أن يكون مبتدأً بعد أن تذكر ( قومَك ) فيشبه التوكيد لأن التوكيد لا يكون إلا جارياً على ما قبله ويجوز أيضاً قومكَ ضربت كلهم لهذه الإِضافة الواقعة في ( كُلِّ ) فصار معاقباً ( لبعضهم ) كقولك : ضربتُ بعضهم وهو على ذلك ضعيف والصواب الجيد : قومك ضربتهم كلُهم لأن المعنى معنى ( أجمعينَ ) في العموم والتأكيد فأما قوله عز وجل : ( قُلْ إن الأمر كُلَّهُ لله ) فالنصب على التوكيد للأمر والرفع على قولك : إن الأمر جميعه لله
واعلم : أنه لا يجوز أن تقول : مررت بقومِكَ إما بعضهم وإما أجمعينَ وإما كلهُم وإما بعضهم لأن أجمعينَ لا تنفرد ولكن تقول : إما بهم كلهم وإما بهم أجمعينَ فإن قلت : مررت بقومكَ إما كلهم وإما بعضهم جاز على قبحٍ فأما ما يؤكد به ( أجمعون ) من قولك : جاءني قومُكَ أجمعون أكتعونَ ونحوه فإنما هو مبالغة ولا يجوز أن يكون أكتعون قبل ( أجمعين ) وكذلك سائر هذه التوكيدات نحو قولك : ويلة وعولة وهو جائعُ نائعُ وعطشان نطشان وحسن بسن وقبيح شقيح وما أشبه هذا إلا يكون المؤكِّدُ قبل المؤكَّدِ وكلاهما وكلتاهما وكلهن يجرين مجرى ( كلهم ) فأما النكرة فلا يجوز أن تؤكدُ بنفسه ولا أجمعينَ ولا كلهم لأن هذه معارف فإن أكدت بتكرير اللفظ بعينه لم يمتنع أن تقول : رأيتُ رجلاً رجلاً وأصبتُ درةً درة فأما قولهم : ( مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ ) فإنما هذا على المبالغة في المدح كأنك قلت : مررت برجلٍ كاملٍ
● [ شرح الثاني من التوابع وهو النعتُ ] ●

النعت ينقسم بأقسام المنعوتِ في معرفته ونكرتِه فنعتُ المعرفةِ معرفةٌ ونعت النكرةِ نكرةٌ والنعت يتبع المنعوت في رفعه ونصبه وخفضه وأصل الصفة أن يقع للنكرةِ دون المعرفةِ لأن المعرفةَ كان حقها أن تستغني بنفسها وإنما عرض لها ضرب من التنكير فاحتيج إلى الصفة فأما النكرات فهي المستحقة للصفات لتقرب من المعارف وتقع بها حينئذٍ الفائدة والصفة : كل ما فرق بين موصوفين مشتركين في اللفظ وهي تنقسم على خمسة أقسام :
القسم الأول : حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه
الثاني : فعلٌ للموصوف يكون به فاعلاً هو أو شيء من سببهِ
الثالث : وصفٌ ليس بعمل ولا بحليةٍ
الرابع : وصفٌ ينسبُ إلى أبٍ أو بلدة أو صناعة أو ضرب من الضروبِ
الخامس : الوصفُ ( بذي ) التي في معنى صاحبٍ لا بذو التي في معنى ( الذي )
[ شرح الأول من النعوت ]

الأول من النعوت وهو ما كان حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه نحو الحلية :
نحو الزرقة والحمرةِ والبياضِ والحول والعور والطول والقصر والحسنِ والقبح وما أشبهُ هذه الأشياء تقول : مررت برجل أزرق وأحمرَ وطويل وقصير وأحول وأعور وبامرأة عوراء وطويلة زرقاء وبرجلٍ حَسَنٍ وبامرأة حسنَةٍ فجميعُ هذه الصفات قد فرقت لك بين الرجلِ الأزرق وغيره والأحمر وغيره والرفع والنصب مثل الخفضِ والرجل والجمل والحجرُ في الوصف سواء إذا وصفتهنَّ بما هو حليةٌ لهن فأما الموصوف بصفة ليست له في الحقيقة وإنما هي لشيء من سببه وإنما جرت على الإسم الأول لأنها تفرق بينه وبين منْ له اسم مثل اسمِه وذلك قولك : مررتُ برجلٍ حَسنٍ أبوهُ ومضيت إلى رجلٍ طويل أخوهُ وقد تقدم ذكر الصفة التي تجري على الموصوف في الإِعرابِ إذا كان لشيءٍ من سببه عورض بها وقلنا : أنه إنما يجري على الإسم منها ما كان مشبهاً باسم الفاعل مما تدخله الألف واللام أو يثنى ويجمع بالواو والنون ويذكّر ويؤنث
[ شرح الثاني من النعوت ]

وهو ما كان فعلاً للموصوف يكون به فاعلاً أو متصلاً بشيءٍ من سببه وذلك نحو : ( قائمٍ ) وقاعدٍ وضاربٍ ونائمٍ تقول : مررت برجلٍ قائمٍ وبرجلٍ نائمٍ وبرجل ضاربٍ وهذا رجلٌ قائمٌ ورأيت رجلاً قائماً فهذه صفة استحقها الموصوف بفعله لأنه لما قام وجب أن يقالَ له : قائمٌ ولما ضَرَبَ وجب أن يُقال له : ضاربٌ وكذلك جميع أسماء الفاعلينَ على هذا نحو : مكرم ومستخرج ومدحرجِ كثرت حروفُه أو قلت ولهذا حَسُنَ أن توصف النكرة بالفعل فتقول : مررتُ برجلٍ ضَرب زيداً وبرجلٍ قامَ وبرجلٍ يضربُ لأنه ما قيل له ضاربٌ إلا بعد أن ضَربَ أو يضربُ في ذلك الوقت أو يكون مقدراً للضربِ لأن اسم الفاعل إنما يجري مجرى الفعل فجميع هذا الذي ذكرت لك من أسماء الفاعلين يجري على الموصوفات التي قبلها فيفصل بين بعض المسميات وبعضٍ إذا أخلصتها نحو : مررتُ برجلٍ ضاربٍ وقاتلٍ ومكرمٍ ونائمٍ وكذلك إن كانت لما هو من سبب الأول نحو قولك : مررت برجلٍ ضاربٍ أبوه وبرجلٍ قائم أخوهُ ورأيت رجلاً ضارباً أخوه عمراً وهذا رجلٌ شاكر أخوه زيداً ولك أن تحذف التنوين وأنت تريده من اسم وتضيف فتقول : مررت برجل ضاربِ زيدٍ غداً وبرجلِ قاتلِ بكرٍ الساعةَ وقد بينت ذا فيما تقدم وكذا إن كان الفعل متصلاً بشيءٍ من سبب الأول تقول : مررت برجلٍ ضاربٍ رجلاً أبوه وبرجلٍ مخالطِ بدنَه داءٌ ولك أن تحذف التنوين كما حذفت فيما قبله فتقول مررت برجلٍ ضاربِ رجلٍ أبوهُ وبرجلِ مخالطِ بدنه داءٌ
وحكى سيبويه عن بعض المتقدمين من النحويين أنه كان لا يجيز إلا النصب في : مررتُ برجلٍ مخالطٍ بدنه داءٌ فينصبون ( مخالطَ ) وردَّ هذا القول وقال : العمل الذي لم يقع والعمل والواقع الثابت في هذا الباب سواءٌ قال : وناس من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين ويفرقون إذا لم ينونوا بين العمل الثابتِ الذي ليس فيه علاجٌ يرونَهُ نحو : الآخذِ واللازم والمخالطِ وبين ما كان علاجاً نحو : الضاربِ والكاسر فيجعلون هذا رفعاً على كل حال ويجعلون اللازم ما أشبههُ نصباً إذا كان واقعاً فإن جعلت ملازمهُ وضاربه وما أشبه هذا لما مضى صار اسماً ولم يكن إلا رفعاً تقول : مررتُ برجلٍ ضاربهُ زيدٌ أمسِ وبرجلٍ ضارب أبيه عمرو أمس ورأيتُ رجلاً مخالطه داءٌ أمسِ
[ شرح الثالث : من النعوت ]

الثالث من النعوت وهو ما كان صفة غير عمل وتحلية :
وذلك نحو العقلِ والفهمِ والعلم والحزنِ والفرحِ وما جرى هذا المجرى تقول : مررتُ برجلٍ عالم وبرجل عاقلٍ ورجل عالمٍ أبوهُ وبرجل ظريفةٍ جاريتُهُ فجميع هذه الصفات وما أشبهها وقاربها فحكمها حكمٌ واحدٌ وقياسُها قياسُ ضاربٍ وقائمٍ في إعرابها إذا كانت متصرفةً كتصرفها
[ شرح الرابع : وهو النسب ]

إذا نسبت إلى أبٍ أو بلدةٍ أو صناعةٍ أو ضربٍ من الضروب جرى مجرى النعوت التي تقدم ذكرها وذلك قولك : مررتُ برجلٍ هاشمي وبرجلٍ عربيٍ منسوب إلى الجنس وكذلك عجمي وبرجلٍ بزازٍ وعطارٍ وسراج وجمّال ونجار فهذا منسوبٌ إلى الأمور التي تعالج وبرجلٍ بصري ومصري وكوفي وشامي فهذا منسوب إلى البلد وتقول : مررتُ برجلٍ دارعٍ ونابلٍ أي : صاحبُ درعٍ وصاحبُ نبلٍ وكذلك برجلِ فارسٍ فجميع هذه الأشياءُ إنما صارت صفاتٍ بما لها من معنى الصفةِ وسنبين النسب في بابه فإنه حدٌّ من النحو كبير إن شاء الله فأما أبٌ وأخٌ وابنٌ وما جرى مجراهن فصفاتٌ ليست منسوبة إلى شيءٍ وهي أسماءٌ أوائل في أبوابها ولا يجوز أن تنسب إليها كنسب هاشمي المنسوب إلى هاشم ولا كعطارِ المنسوب إلى العطرِ ولا دارع المنسوب للدرعِ
[ شرح الخامس : وهو الوصفُ بذي ]

وذلك نحو : مررتُ برجلٍ ذي إبلٍ وذي أدبٍ وذي عقل وذي مروءة وما أشبه ذلك ويفسر بأن معناه ( صاحبٌ ) ولا يكون إلا مضافاً ولا يجوز أن تضيفه إلى مضمر وإذا وصفت به نكرةً أضفته إلى نكرةٍ وإذا وصفت به معرفةً أَضَفْتَ إلى الألف واللام ولا يجوز أن تضيفه إلى زيدٍ وما أشبههُ وتقول للمؤنث ( ذاتِ ) تقول : مررتُ بامرأةٍ ذات جمالٍ وإذا ثنيت قلت : مررت برجلينِ ذوي مالٍ وهذان رجلانِ ذوا مالٍ وهاتانِ امرأتان ذواتا مالٍ وهؤلاء رجالٌ ذوو مالٍ ونساء ذوات مالٍ فأما ( ذو ) التي بمعنى ( الذي ) فهي لغةُ طيءٍ فحقها أن يوصفَ بها المعارف
[ ذكر الصفات التي ليست بصفات محضة ]

هذه الصفات التي ليست بصفات محضة في الوصف يجوز أن تبتدأ كما تبتدأ الأسماء ويحسن ذلك فيها وهي التي لا تجري على الأول إذا كانت لشيءٍ من سببه وهي تنقسم ثلاثة أقسام مفردٍ ومضافٍ وموصولٍ
فالأول : المفرد نحو قولك : مررتُ بثوبٍ سبعٍ وقول العرب : أخذَ بنو فلانٍ من بني فلانٍ إبلاً مائةً
وقال الأعشى :
( لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً ... ورقيتَ أسبابَ السماءِ بسلمِ )
ومررتُ بحيةٍ ذراعٍ فإذا قلت : مررت بحيةٍ ذراعٌ طولها رفعت ( الذراع ) وجعلت ما بعد ( حيةٍ ) مبتدأً وخبراً وكذلك مررت بثوب سبعٌ طوله ومررت برجلٍ مائةٌ إبلُه
قال سيبويه وبعض العرب يجره كما يجر الخزَّ حين تقول : مررت برجلِ خَزٍّ صُفَتُه وهو قليل : كما تقول : مررت برجل أسد أبوهُ إذا كنت تريد أن تجعله شديداً ومررت برجلٍ مثل الأسد أبوهُ إذا كنت تشبهه فإن قلت : مررت بدابةٍ أسدٌ أبوها فهو رفعٌ لأنك إنما تخبر أن أباها هذا السبعُ قال : فإن قلت : مررت برجلٍ أسدٌ أبوهُ على هذا المعنى رفعت لأنك لا تجعل أباه خلقته كخلقة الأسد ولا صورته هذا لا يكون ولكنه يجيء كالمثل ومن قال : مررتُ برجلٍ أسدٌ أبوهُ قال : مررت برجلٍ مائةٌ إبلُه وزعم يونس : أنه لم يسمعهُ من ثقةٍ ولكنهم يقولون : هو نارٌ جُمْرة لأنهم قد يبنون الأسماء على المبتدأ ولا يصفون بها فالرفع فيما كان بهذه الحال الوجه قال : ومن قال : مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ كان قبيحاً حتى تقول : هو والعدمُ لأن في ( سواءٍ ) اسماً مضمراً مرفوعاً كما تقول : مررتُ بقومٍ عربٍ أجمعونَ فارتفع ( أجمعونَ ) على مضمرٍ في ( عَربٍ ) في النيةِ فالعدم هنا معطوف على المضمر الثاني المضاف وذلك قولهم : مررتُ برجلٍ أي رجلٍ وبرجلٍ أيما رجلٍ وبرجل أبي عشرةٍ وبرجلٍ كُلِّ رجلٍ وبرجل مثلِكَ وغيرك وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ وما أشبههُ فجميع هذا يجري على الموصوف في إعرابه في رفعه ونصبه وجره إذا أخلصتها له فإن جعلت شيئاً من هذه الصفات رافعاً لشيء من سببه لم يجز أن تصف به الأول ولا تجريه عليه ورفعته فقلت : مررت برجلٍ أبو عشرةٍ أبوه وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ أبوه وبرجلِ مثلكَ أخوهُ وبرجل غيركَ صاحبُه : وكلُّ ما ورد عليك من هذا النحو فقسهُ عليه
● [ الثالث : النعت الموصول المشبه بالمضاف ] ●

وإنما أشبه المضاف لأنه غير مستعمل إلا مع صلته وذلك نحو : أفضل منكَ وأب لكَ وأخ لكَ وصاحبٌ لكَ فجميع هذه لا يحسن أن تفردها من صلاتها لو قلت : مررت برجلٍ أبٍ وبرجلٍ أخٍ لك وبرجلٍ خيرٍ وبرجل شَرٍّ لم يجز حتى تقول : مررتْ برجلٍ أبٍ لك وبرجل أخٍ لك وبرجل خيرٍ منكَ فجميع هذه إذاً أخلصتها للموصوف ولم تعلقها بشيءٍ من سببه أجريتها على الأول فقلت : هذا رجلٌ خيرٌ منكَ وصاحبٌ لكَ وأبٌ لكَ ورأيت رجلاً خيراً منكَ وأباً لكَ ومررت برجلِ خيرٍ منكَ وأبٍ لكَ فإن علقتها بشيء من سببه رفعت وغلبت عليها الإسمية فقلت : مررت برجلٍ أبٍ لكَ أبوهُ وبرجلٍ صاحبٍ لكَ أخوه وبرجلٍ خير منه أبوه ترفع جميع هذا على الإبتداء والخبر والجر لغة وليست بالجيدة وتقول : ما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ منهُ إليه وما رأيتُ آخر أحسن في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ فإنما جرى : ( أبغضُ وأحسنُ ) على ( رجلٍ ) في إعرابه
وإن كان قد وقع بهما الشر والكحلَ لأن الصفة في المعنى له وليس هنا موصوفٌ غيره لأنه هو المبغضُ للشر وهو الحسنُ بالكحلِ فلهذا لم يشبه : مررت برجلٍ خيرٍ منهُ أبوهُ لأن أباه غيره وليس له في الخبر الذي في ( أبيهِ ) نصيبٌ وقد تخفضُ العرب هذا الكلام فتقول : ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحل من زيدٍ وما رأيت أبغضَ إليه الشرُّ منهُ فإذا فعلوا هذا جعلوا الهاء التي كانت في ( منهُ ) للمذكرِ المضمرِ وكانت للكحلِ والشرِّ وما أشبههما قال الشاعر :
( مَرَرْتُ عَلَى وادي السِّبَاعِ ولا أَرَى ... كَوَادي السِّبَاعِ حِينَ يُظْلمُ وَادِيا )
( أقلَّ بهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تئيةً ... وأخوْفَ إلاّ ما وقى الله ساريا )
قال سيبويه : إنما أراد : أقلَّ به الركب تئيةً منهم ولكنه حذف ذلك استخافاً كما تقول : أنت أفضلُ ولا تقولُ من أحدٍ وتقول : الله أكبرُ ومعناه : أكبر من كلِّ كبير وكلِّ شيءٍ
وكما تقول : لا مالَ ولا تقول لك
واعلم : أن ما جرى نعتاً على النكرة فإنه منصوبٌ في المعرفة على الحال وذلك قولك : مررتُ بزيدٍ حسناً أبوهُ ومررتُ بعبد الله ملازمكَ وما كان في النكرة رفعاً غير صفةٍ فهو في المعرفة رفعٌ فمن ذلك قولهُ عز و جل : ( أم حَسب الذين اجترحوا السيئاتِ أنْ نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ سواءٌ محياهم ومماتهم ) لأنك تقول : مررت برجلٍ سواءٌ محياهُ ومماتهُ وتقول : مررت بعبد الله خير منهُ أبوهُ ومن أجرى هذا على الأول في النكرة نصبه هنا على الحال فقال : مررت بعبدِ اللهِ خيراً منهُ أبوهُ وهي لغةٌ رديئةٌ وقد يكون حالاً ما لا يكون صفةً لأن الحال زيادة في الخبر فأشبهت خبر المبتدأ الذي يجوزُ أن يكون صفةً ويجوز أن يكون اسماً والصفة ما كانت تفرق بين اسمين والحال ليست تفرق بين اسمين وقد يجوز أن يكون من اسم لا شريكَ له في لفظه ولكنها تفرق بين صاحبِ الفعل فاعلاً كان أو مفعولاً وبين نفسه في وقتهن فمما استعملوه حالاً ولم يجز أن يكون صفةً
قولهم : مررتُ بزيد أسداً شدة قال سيبويه : إنما قال النحويون : مررتُ برجلٍ أسداً شدةً وجرأةً إنما يريدون : مثل الأسد وهذا ضعيفٌ قبيحٌ لأنه لم يجعل صفةً إنما قاله النحويون تشبيهاً بقولهم : مررتُ بزيدٍ أسداً شدةً وقد يكون خبراً ما لا يكون صفةً واعلم أنهم ربما وصفوا بالمصدر نحو قولك : رجلٌ عدلٌ وعلم فإذا فعلوا هذا فحقه أن لا يثنى ولا يجمع ولا يذكّر ولا يؤنث والمعنى إنما هو ذو عَدلٍ فإن ثنى من هذا شيءٌ فإنما يشبه بالصفة إذا كثر الوصف به والنكرة توصف بالجمل وبالمبتدأ والخبر والفعل والفاعلِ لأن كلَّ جملة فهي نكرةٌ لأنها حديثٌ وإنما يحدث بما لا يعرف ليعيدهُ السامع فيقول : مررتُ برجلٍ أبوهُ منطلقٌ فرجل صفته مبتدأ وخبره وتقول : مررتْ برجلِ قائمٌ أبوهُ فهذا موصوف بفعل وفاعلٍ ولا يجوز أن تصف المعرفة بالجمل لأن الجملَ نكراتٌ والمعرفة لا توصف إلا بمعرفةٍ فإذا أردت ذلك أتيت ( بالذي ) فقلت : مررتُ بزيدٍ الذي أبوهُ قائمٌ وبعمروٍ الذي قائمٌ أبوهُ
● [ ذكر وصف المعرفة ] ●

وهو ينقسم بأقسام المعارف إلا المضمر فإنه لا يوصف به وأقسام الأسماء المعارف خمسةٌ العلم الخاصُ والمضاف إلى المعرفةِ والألف واللام والأسماء المبهمةُ والإِضمار
فالموصوف منها أربعٌ :
الأول : وهو العلم الخاص : يوصف بثلاثة أشياء بالمضاف إلى مثله وبالألف واللام نحو : مررتُ بزيدٍ أخيكَ والألف واللام نحو : مررتَ بزيدٍ الطويلِ وما أشبه هذا من الإِضافة والألف واللام
وأما المبهمة فنحو : مررتُ بزيدٍ هذا وبعمروٍ ذاكَ والمرفوع والمنصوب في أتباع الأول كالمجرورِ
الثاني : المضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء بما أضيف كإضافته وبالألف واللام والأسماء المبهمةُ وذلك مررتُ بصاحبِكَ أخي زيدٍ ومررتُ بصاحبِكَ الطويلِ ومررتُ بصاحبِكَ هذا
الثالث : الألف واللامُ : يوصف بالألف واللامِ وربما أضيف إلى الألف واللامِ لأنه بمنزلة الألف واللامِ وذلك قولكَ مررتُ بالجميلِ النبيلِ ومررت بالرجلِ ذي المالِ
الرابع : المبهمةُ : توصف بالأسماء التي فيها الألفُ واللامُ والصفات التي فيها الألف واللامُ جميعاً
قال سيبويه : وإنما وصفت بالأسماء لأنها والمبهمة كشيءٍ واحدٍ
والصفات التي فيها الألف واللام هي بمنزلة الأسماء في هذا الموضع وليست بمنزلة الصفاتِ في زيدٍ وعمروٍ يعني أنك إذا قلت : هذا الطويل فإنما تريد : الرجل الطويل أو الرمح الطويل أو ما أشبه ذلك لأن هذا مبهم يصلح أن تشير به إلى كل ما بحضرتك فإذا ألبس على السامع فلم يدر إلى الرجل تشير أم إلى الرمح وجب أن تقول : بهذا الرجلِ أو بهذا الرمحِ فالمبهم يحتاج إلى أن يميز بالأجناسِ عند الإِلباس فلهذا صار هو وصفتُه بمنزلة شيءٍ واحدٍ وخالف سائر الموصوفات لأنها لم توصف بالأجناس وإنما يجوز أن تقول بهذا الطويلِ إذا لم يكن بحضرتكَ طويلانِ فيقع لبسٌ فأما إذا كان شيئانِ طويلانِ لم يجز إلا أن تذكر الإسم قبل الصفة وهذا المعنى ذكره النحويون مجملاً وقد ذكرته مفصلاً واعلم أن صفة المعرفة لا تكون إلا معرفةً كما أن صفة النكرةِ لا تكون إلا نكرةً ولا يجوز أن تكون الصفةُ أخص من الموصوفِ ألا ترى أنك إذا قلت : مررتُ بزيدٍ الطويلِ فالطويلُ أعم من زيد وحدُه والأشياء الطوال كثيرة وزيدٌ وحدُه أخص من الطويل وحده فإن قال قائل : فكان ينبغي إذا وصفت الخاص بالعامِ أن تخرجه إلى العموم قيلَ له : هذا كانَ يكونُ واجباً لو ذكرَ الوصف وحدهُ فقلت : مررتُ بالطويلِ لكانَ لَعمري أعم من زيدٍ ولكنك إذا قلت : بزيدِ الطويلِ كان مجموع ذلك أحسن من زيدٍ وحده ومن الطويل وحده ولهذا صارت الصفة والموصوف كالشيء الواحد
واعلم : أنه لك أن تجمع الصفة وتفرق الموصوف إذا كانت الصفة محضة ولم تكن اسما وصفت به مبهماً
ولك أن تفرق الصفة وتجمع الموصوف في المعرفة والنكرة فتقول : مررتُ بزيدٍ وعمروٍ وبكرٍ الطوال تجمع النعت وتفرق المنعوت وتقول : مررتُ بالزيدينِ الراكبِ والجالسِ والضاحكِ فتجمع الإسم وتفرق الصفة ولكن المفرق يجب أن يكون بعدد المجموع وليس لك مثل هذا في المبهم لا يجوز أن تقول : مررتُ بهذينِ : الراكع والساجد وأنت تريد الوصف لأن المبهم اسم وصفته اسم فهما اسمان يبين أحدهما الآخر فقاما مقام اسم واحد ولا يجوز أن يفرقا لا يثني أحدهما ويفرد الآخر بل يجب أن يكون مناسباً له في توحيده وتثنيته وجمعه ليكون مطابقاً له لا يفصل أحدهما عن الآخر
[ مسائل من هذا الباب ]

تقول : إن خيرهم كلهم زيدٌ وإن لي قبلكم كلكم خمسين درهماً وإن خيرهما كليهما أخوك لا يكون ( كلَيهما ) من نعت ( خيرٍ ) لأن خيراً واحدٌ
وتقول : جاءني خيرُهما كليهما راكباً وإن خيرهما كليهما نفسه زيد فيكون ( نفسُه ) من نعت ( خيرٍ ) وتقول : جاءني اليوم خيرهما كليهما نفسُه وقال الأخفش : أن عبدَ الله ساجٌ بابُهُ منطلقٌ فجعل ( ساجٌ بابُه ) في موضع نصب على الحال لأَنه كان صفة للنكرة
وتقول : مررتُ بحسنٍ أبوهُ تريد : رجلٌ حَسن أبوه وبأحمرَ أبوهُ ولا يجوز : رأيت ساجاً بابُهُ تريد : رأيت رجلاً ساجاً بابُه
وتقول : مررتُ بأصحابٍ لكَ أجمعونَ اكتعونَ لأن في ( لَكَ ) اسماً مضمراً مرفوعاً
ومررتُ بقومٍ ذاهبينَ أجمعونَ أكتعونَ لأن في ( ذاهبين ) اسماً مرفوعاً مضمراً وكذلك : مررت بدرهمٍ أجمع أكتع ومررت بدارٍ لك جمعاءَ كتعاءَ ومررت بنساءٍ لكَ جمع كتع ولا يجوز أن تكون هذه الصفة للأول لأن الأول نكرة وتقول : مررت بالقوم ذاهبينَ أجمعينَ أكتعينَ إذا أكدت القومَ فإن أجريته على الإسم المضمر في ( ذاهبين ) رفعت فقلت : أجمعونَ أكتعونَ
وتقول : مررت برجلٍ أيما رجلٍ وهذا رجلٌ أيما رجلٍ وهذان رجلانِ أيما رجلينِ وهاتان امرأتانِ أيتما امرأتين ومررت بامرأتين أيتما امرأتينِ و ( ما ) في كل هذا زائدة وأضفت أياً وأيةَ إلى ما بعدها
وتقول : مررت برجل حسبكَ من رجلٍ وبامرأة حسبكَ من امرأة وهذه امرأةٌ حسبك من امرأةٍ وهاتان امرأتان حسبك من امرأتين وتقول : هذا رجلٌ ناهيكَ من رجلٍ وهذه امرأة ناهيتك من امرأةٍ فتذَكر ( ناهياً ) وتؤنثه لأنه اسم فاعل ولا تفعل ذلك في ( حسبكَ ) لأنه مصدر وتقول في المعرفة : هذا عبد الله حسبكَ من رجل وهذا زيد أيما رجلٍ فتنصب ( حسبكَ ) وأيما على الحال
وهذا زيدٌ ناهيكَ من رجلٍ وهذه أمة الله أيتما جاريةٍ
وتقول : مررت برجلين لا عطشاني المرأتين فأقول عطشاناهما ولا ريانيهما فأقول : رياناهما وتقول : مررت برجال لا عطاش النساء فأقول : عطاشهن ولا روائهن فأقول : رواؤهن وإنما قلت : رواء لأنه فعال من رويت
وتقول : هاتان امرأتان عطشيا الزوجين لا ريياهما وتقول هؤلاء نساءٌ لا عطاش الأزواج فأقول : عطاشهم ولا رواؤهم فإذا جمعت : ريّا وريان فهو على فعال
وتقول : مررت برجل حائضٍ جاريتُه ومررت بامرأة خصي غلامُها ولو قلت : مررت برجلِ حائض الجارية لقَبحَ لأنك إن أدخلت الألف واللام جعلت التأنيث والتذكير على الأول فأنت تريد أن تذكر حائضاً لأن قبله رجلاً والحائض لا يكون مذكراً أبداً وقال بعضهم : هذا كلام جائز لأن ( حائضاً ) مذكر في الأصل وقد أُجيز مررت بامرأة خصي الزوجِ لأن خصياً فعيلٌ مما يكون فيه مفعولُه فهذا يكون للمذكر والمؤنث سواء ولا يجوز : مررت برجلٍ عذر الجاريةِ إذا كان الجارية عُذراً وكذلك : مررت بامرأة محتلمة الزوجِ لأن محتلماً مما لا يكون مؤنثاً وكذلك : مررت بامرأةٍ آدر الزوجِ ولا يجوز : مررت برجلٍ أعْفلَ المرأةِ لأن أعفل مما لا يكون في الكلام
ومن قال : مررت برجل كفاكَ به رجلاً قال للجميع : كفاكَ بهم وللإثنين : كفاكَ بهما لأن اسم الفاعل هو الذي بعد الباء والباءُ زائدةٌ وفي هذا لغتان : منهم من يجريه مجرى المصدر فلا يؤنثه ولا يثنيه ولا يجمعه ومنهم من يجمعه فعلاً فيقول : مررت برجل هدكَ من رجلٍ وبامرأةٍ هدتك من امرأة وإن أردت الفعل في ( حسبكَ ) قلت : مررت برجل حسبكَ من رجلٍ وبرجلين أحسباك من رجلينِ وبرجال أحسبوكَ وتقول : مررت برجلين ملازماهما رجلانِ أمسِ كما تقول : برجلين عبداهما رجلانِ ومررت برجل ملازموهُ رجالٌ أمسِ لأن ملازمه هذا اسم مبتدأ لأنه بمنزلة غلام إذا كان لما مضى وقد بينا ذا فيما تقدم فإذا كان اسماً صار مبتدأً ولا بدّ من أن يكون مساوياً للخبر في عدته كما تقول : الزيدانِ قائمانِ وغلاماك منطلقانِ وتقول : مررت برجلٍ حسبكَ ومررت بعبد الله حسبكَ فيكون حالاً فإذا قلت : حسبك يلزمكَ فحسبك مرتفع بالإبتداء والخبر محذوف وهذا قول الأخفش وغيره من النحويين
وقال أبو العباس رحمه الله الخبر محذوف لعلتين : إحداهما : أنك لا تقول ( حسبَك ) إلا بعد شيء قد قاله أو فعله ومعناه يكفيك أي ما فعلت وتقديره : كافيكَ لأن حسبكَ اسم فقد استغنيت عن الخبر بما شاهدت مما فعل قال : وكذلك أخوات حسبك
نحو ( هدكَ ) والوجه الآخر : في الإقتصار على حسبٍ بغير خبرٍ إن معنى الأمر لما دخلها استغنت عن ذلك كما تستغني أفعال الأمر تقول : حسبُكَ ينم الناسُ كما تقول : اكففْ ينم الناسُ وكذلك ( قدكَ ) و ( قطكَ ) لأن معناهما حسبك إلا أن حسبك معربة وهاتان مبنيتان على السكون يعني قَدْ وقَطْ وتقول : حسبكَ درهمانِ فأنت تجريه مجرى يكفيك درهمانِ وتقول : إن حسبك درهمانِ
قال الأخفش : إذا تكلمت ( بحسْب ) وحدها يعني إذا لم تضفها جعلتها أمراً وحركت آخرها لسكون السين تقول : رأيت زيداً حسْب يا فتى غير منون كأنك قلت : حسبي أو حسبكَ فأضمر هذا فلذلك لم ينون لأنه أراد الإِضافة
وقال تقول : حسبُكَ وعبد اللِه درهمان على معنى يكفيك وعبد الله درهمانِ فإن جررت فهو جائز وهو قبيح وقبحه أنك لا تعطف ظاهراً على مضمر مجرور وأنشدوا :
( إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ )
فمنهم من ينصب ( الضحاكَ ) ومنهم من يجر ومنهم من يرفع فإن أظهرت قلت : حسب زيدٍ وأخيهِ درهمانِ وقبح النصب والرفع لأنك لم تضطر إلى ذلك وتقول مررت برجل في ماءٍ خائضهُ هُوَ لا يكون إلا هو إذا أدخلت الواو لأنك قد فصلت بينه وبين ماء وتقول : مررت برجلٍ معهُ صقْرٌ صائدٌ وصائدٍ بهِ كما تقول : أتيتَ على رجلٍ ومررت بهِ قائماً إن حملته على الرجل جررت وإن حملته على ( مررت بهِ ) نصبت وتقول : نحن قومٌ ننطلقْ عامدونَ وعامدينَ إلى بلد كذا وتقول : مررت برجلٍ معه بازٌ قابضٍ على آخر وبرجل معه جبةٌ لابسٍ غيرها ولابساً إن حملته على الإِضمار الذي في ( معهُ ) وتقول : مررت برجل عندهُ صقرٌ صائدٍ ببازٍ وصائداً إن حملته على ما في ( عندَه ) من الإِضمار وكأنك قلت : عندَه صقرٌ صائداً ببازٍ وتقول : هذا رجلٌ عاقلٌ لبيبٌ لم تجعل الآخر حالاً وقع فيه الأول ولكنك سويت بينهما في الإِجراء على الإسم والنصب فيه جائز ضعيفٌ
قال سيبويه : وإنما ضعف لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال ولكنه أراد أنهما فيه ثابتان لم يكن واحد منهما قبل صاحبه وقد يجوز في سعة الكلام وتقول مررت برجلٍ معه كيسٌ مختوم عليهِ الرفع الوجهُ لأنه صفة الكيس والنصب جائز على قوله : فيها رجلٌ قائماً وهذا رجلٌ ذاهباً وتقول : مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً تريد مقدراً الصيد به غداً ولولا هذا التقدير ما جاز هذا الكلامُ وتقول : مررتُ برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربتُه فهذا بمنزلة معه كيسٌ مختومٌ عليهِ فإن قلت : مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضارِبها جررت ونصبت على ما فسر
وإن شئتَ وصفت المضمر في ( ضاربها ) في النصب والجر فقلت : مررت برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربها هُوَ أو ضاربَها هُو فإن شئت جعلت ( هو ) منفصلاً فيصير بمنزلة اسم ليس من علامات الإِضمار فتقول : مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضاربها ( هُوَ ) كأنك قلت : معه ضاربَها زيدٌ وتقول : يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوه كما تقول يا ذا الجاريةٌ الواطئَها زيدٌ والمعنى : التي وطئَها زيدٌ
وتقول : يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوهُ فجعل بها ( الواطئَها ) صفة ( ذا ) المنادى
ولا يجوز أن تقول : يا ذا الجاريةُ الواطئُها زيدٌ من قبل أن ( الواطئَها ) من صفة المنادى فإذا لم يكن هو الواطىء ولا أحد من سببه لم يكن صفة له كما لا يجوز : يا عبد اللِه الواطىء الجارية زيدٌ فلم يجز هذا كما لم يجز : مررتُ بالرجل الحسنِ زيدٌ وقد يجوز أن تقول : مررتُ بالرجلٍ الحسنِ أبوهُ وتقول : يا ذا الجاريةِ الواطئُها هُو جعلت ( هُو ) منفصلاً كالأجنبي لا يجوز حذفه وإن شئت نصبته كما تقول : يا ذا الجاريةِ الواطئَها تجريه على المنادى فإن قلت : يا ذا الجاريةِ الواطئَها وأنت تريد : الواطئَها هُو لم يجز أن تطرح ( هُوَ ) كما لا يجوز بالجاريةِ الواطئها هو أو أنت حتى تذكرهما فإن ذكرتهما جاز وليس هذا كقولك : مررت بالجاريةِ التي وطئَها أو التي وطئتُها لأن الفعل يضمر فيه وتقع فيه علامة الإِضمار وقد فسرت هذا فيما تقدم وإنما يقع في هذا إضمار الإسم رفعاً إذا لم يوصف به شيء غير الأول وذلك قولك : يا ذا الجاريةِ الواطئَها ففي هذا إضمار ( هُوَ ) وهو اسم المنادى والصفة إنما هي للأول المنادى
قال سيبويه : ولو جاز هذا لجازَ مررت بالرجلِ الآخذيهِ تريد : أنتَ ولجاز : مررت بجاريتِكَ راضياً عنها تريد أنْتَ ويقبح أن تقول : رُبَّ رجلٍ وأخيهِ منطلقينِ حتى تقول : وأخٍ لهُ وإذا قيل : والمنطلقينَ مجروران من قبل أنّ قوله : وأخيهِ في موضع نكرةِ والمعنى : وأخٍ لَهُ والدليلُ على أنه نكرةٌ دخول ( رُبَّ ) عليه ومثل ذلك قول بعض العرب : كُلُّ شاةٍ وسخلتِها
أي : وسخلةٍ لَها ولا يجوز ذلك حتى تذكر قبله نكرة فيعلم أنك لا تريد شيئاً بعينه وأنشد سيبويه في نحو ذلك :
( وأيُّ فَتى هَيْجَاءَ أنْتَ وَجَارِها ... إذا ما رجَالٌ بالرِّجَالِ أستقَّلتِ )
فلو رفع لم يكن فيه معنى : أي جارها الذي هو في معنى التعجب والمعنى : أي فتى هيجاءَ وأي جارٍ لها أنْتَ قال الأعشى :
( وكم دُونَ بيتِكَ منْ صَفْصَفٍ ... ودَكْدَاكِ رمْلٍ وأعقادِهَا )
( ووَضْعِ سِقاءٍ وأحْقابِهِ ... وحَلِّ حُلوسٍ وأغْمادِهَا )
فجميع هذا حجة لرب رجل وأخيه وهذا المضافُ إلى الضمير لا يكون وحده منفرداً نكرة ولا يقع في موضع لا يكون فيه إلا نكرة حتى يكون أول ما يشغل به ( رُبَّ ) نكرة ثم يعطف عليه ما أضيف إلى النكرة وتقول : هذا رجلٌ معهُ رجل قائمينِ فهذا ينتصب لأن الهاء التي في معهُ معرفةٌ وانتصابه عندي بفعلٍ مضمر ولا يجو نصبه على الحال لإختلاف العاملين لأنه لا يجوز أن يعمل في شيء عاملان وتقول : ( فوق الدار رجل وقد جئتُكَ برجلٍ آخر عاقلينِ مسلمينِ ) فتنصب بفعل آخر مضمر وتقول : ( اصنع ما سرَّ أخاكَ وما أحب أبوك الرجلانِ الصالحانِ ) فترفع على الإبتداء وتنصب على المدح كقول الخزنق :
( لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ هُمُ ... سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ )
( النَّازِلِينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ )
وسيبويه يجيزُ نصب : هذا رجلُ مع امرأةٍ قائمين على الحال ويجيزُ : مررت برجلٍ مع امرأةٍ منطلقينِ على الحال أيضاً ويحتج بأن الآخر قد دخل مع الأول في التنبيه والإِشارة وأنك قد جعلت الآخر في مرورك فكأنك قلت : هذا رجلٌ وامرأةً ومررت برجلٍ وامرأةٍ وتجعل ما كان معناهما واحدا على الحال
وإذا كان معنى ما بينهما يختلف فهو على ( أعنى ) والقياس المحض يوجب إذا اختلف عاملان في اسمين أو أكثر من ذلك لم يجز أن تثنى صفتهما ولا حالهما لإختلاف العاملين اللذين عملا في الإسمين وكيف يجوز أن يفترقا في الموصوفين ويجتمعا في الصفة ولكن يجوز النصب بإضمار شيء ينتظم المعنيين يجتمعان فيه
وأعلم : أنه لا يجوز أن تجيز وصف المعرفة والنكرة كما لا يجوز وصف المختلفين
وزعم الخليل : أن الرفعين أو الجرين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع وذلك قولك : ( هذا رجلٌ وفي الدار آخر كريمينِ ) لأنهما لم يرتفعا من جهة واحدة
وشبه بقوله : هذا لإبنِ إنسانينِ عندنا كراماً فقال : الجر ها هنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جر الأول ومثل ذلك : هذا جاريةٌ أخوي ابنينِ لفلانِ كراماً لأن أخوي ابنينِ اسم واحد والمضاف إليه الآخر منتهاه ولم يأت بشيء من حروف الإِشراك ومثل ذلك : هذا فرس أخوي ابنيك العقلاءِ الحلماءِ لأن هذا في المعرفة مثل ذلك في النكرة ولا يجوز إلا النصب على ( أعنى ) ولا يكون الكرام العقلاء صفة للأخوين والإبنين ولا يجوز أن يجري وصفاً لما انجز من وجهين كما لم يجز فيما اختلف إعرابه
وقال سيبويه : سألت الخليل عن : مررت بزيدٍ وأتاني أخوهُ أنَفسهما فقال : الرفع على هُما صاحباي أنفسهُما والنصب على ( أعنيهما ) ولا مدح فيه لأنه ليس مما يمدح به وقال : تقول : هذا رجلٌ وامرأة منطلقان وهذا عبد اللِه وذاكَ أخوك الصالحانِ لأنهما ارتفعا من وجه وهما اسمان بنيا على مبتدأَين وانطلق عبد اللِه ومضى أخوك الصالحان لأنهما ارتفعا بفعلين معناهما واحد
والقياس عندي أن يرتفعا على ( هُما ) لأن الذي ارتفع به الأول غير الذي ارتفع به الثاني
ولكن إن قدرت في معنى التأكيد ورفعت عبد اللِه بالعطف من الفعل جازت عندي الصفة ولا يجوز : من عبد اللِه وهذا زيدٌ الرجلينِ الصالحينِ رفعت أن نصبت لأنك لا تثني إلا على من أثبتُه وعرفته فلذلك لم يجز المدح في ذا ولا يجوز صفتهما لأنك من يعلم ومن لا يعلمُ فتجعلهما بمنزلة واحدةٍ
قال أبو العباس في قولهم : ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه الكحلُ منهُ في عين زيدٍ وما رأيت رجلاً أبغض إليه الشر منهُ إلى زيدٍ قد علمنا أن الإختيار : مررت برجلٍ أحسنَ منه أبوهُ ومررت برجلٍ خيرٌ منه زيدٌ فما باله لم يجز الرفع في قوله : أحسنُ في عينه الكحلُ وأبغض إليه الشرُ فقال : الجواب في ذلك : أنه إن أراد أن يجعل الكحل الإبتداء كان الإختيار ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه منه في عين زيدٍ الكحل تقديره : ما رأيتُ رجلاً الكحل أحسن في عينه منه في عين زيدٍ وما رأيت رجلاً الكحل في عينه أحسنُ منهُ في عينِ زيدٍ كل جيد كما تقول : زيدٌ أحسنُ في الدار منه في الطريق
وزيدٌ في الدار أحسن منهُ في الطريقِ فتقدم في الدار لأنه ظرف والتفضيل إنما يقع بأفعل فإن أردت أن يكون ( أحسنُ ) هو الإبتداء فمحالٌ لأنك تضمر قبل الذكر
لأن الهاء في قولك : ( منه ) هي الكحل ومنه متصلة ( بأفعلَ ) لأن ( أَفعلَ ) للتفضيل فيصير التقدير ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه منهُ في عينِ زيدٍ الكحلُ فتضمر الكحل قبل أن تذكره لأن الكحل الآن خبر الإبتداء وإن قدمت الكحل فقلت على أن ترفع ( أحسنَ ) بالإبتداء ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحلُ منه في عينِ ( زيدٍ ) فهو أردأ وذلك لأنه خبر الإبتداء وقد فصلت بين ( أحسنَ ) وما يتصل به وليس منهما في شيء فلذلك لم يجز على هذه الشريطة إلا أن الجملة على مثل قولك : مررت برجلٍ خيرٌ منهُ أبوهُ فتقول : ما رأيت رجلاً أحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ فترفع الكحلَ ( بأحسنَ ) ويقع ( منهُ ) بعده فيكون الإِضمار بعد الذكر وتقديره : ما رأيت رجلاً يحسنُ الكحل في عينه كحسنهِ في عينِ زيدٍ فالمعرفة والنكرة في هذا واحد إذا كان الفعل للثاني ارتفع به معرفة كان أو نكرة وإن كان للأول والثاني معرفة بطل وإن كان الثاني نكرة انتصب على التمييز وذلك قولك : ما رأيت رجلاً أحسنَ وجهاً من زيدٍ ولا رأيتُ رجلاً أكرمَ حسباً منهُ لأن أكرم وأحسن للأول لأن فيه ضميره فإن جعلته للثاني رفعته به ورددت إلى الأول شيئاً يصله بالثاني كما تقول : رأيتُ رجلاً حسَن الوجهِ لأن حَسن الوجه ( لرجلٍ ) فإن جعلته لغيره قلت : رأيتُ رجلاً حسنَ الوجهِ أخوهُ وحسن الوجهِ رجلٌ عندهُ فإن قلت : ما رأيت قوماً أشبه بعضُ ببعضٍ من قومِكَ رفعت البعض لأن ( أشبَه ) له وليس لقومٍ لأن المعنى : ما رأيت قوماً أشبه بعضُهم ببعضٍ كما ذكر ذلك سيبويه في قوله مررتُ بكُلٍّ صالحاً وببعضٍ قائماً أنه محذوف من قولك : بعضُهم وكلهم والمعنى يدل على ذلك ألا ترى أن تقديره : ما رأيتُ قوماً أشبَهَ بعضُهم بعضاً كما وقع ذلك في ( قومِكَ ) وتقول : ما رأيت رجلاً أبر أبٍ لهُ بأُمِّ من أخيكَ لأن الفعل للأب ووضعت الهاء في ( لَهُ ) إلى الرجل فلم يكن في ( أُمٍّ ) ضمير لأن الأب قد ارتفع به فإن لم يرد هذا التقدير قلت : ما رأيتُ رجلاً أبَر أباً بأُمٍّ من زيدٍ كما تقول : ما رأيت رجلاً أحسنَ وجهاً من زيدٍ وكذلك : ما رأيت رجلاً أشبه وجهٍ لهُ بقفاً من زيدٍ فإن حذفت له قلت : ما رأيت رجلاً أشبه بقفاً من زيدٍ لأن في ( أشبَه ) ضمير رجل
وأما قولهم : ما من أيامٍ أحبَّ إلى اللهِ فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ ولكنه لما قال : في الأول ( إلى اللِه ) لم يحتج إلى أنْ يذكر ( إليه ) لأن الرد إلى واحدٍ وليس كقولك : زيدٌ أحبُ إلى عمرو منه إلى خالدٍ لأنك رددت إلى اثنين فلا تحتاج إلى أن تقول : زيدٌ عندي أحسنَ من عمروٍ عندي لأن الخبر يرجع إلى واحد فأما قولهم : ما مِن أيامٍ أحب إلى اللِه فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ فإنما هو بمنزلة : ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منهُ في عينِ زيدٍ فقولُه : فيها بمنزلة قولهِ : في عينهِ وإنما أضمرت الهاءَ في ( فيها ) وفي عينِه لأنك ذكرت الأيام وذكرت رجلاً
وكذلك قلت : اللُه عز و جلَّ : ما رأَيت أياماً أحب إليه فيها الصوم لأضمرته في ( إليهِ ) ومنه للصوم كما كان للكحلِ وأما قولُهُ : إلى اللِه فتبيينٌ لأحب وأحسن لا يحتاج إلى ذلك ألا ترى أنك تقول : زيد أحسن من عمروٍ فلا تحتاج إلى شيء وتقول : زيد أحب إلى عمروٍ منكَ فقولك : إلى عمروٍ كقولك إلى الله في المسألة الأولى ولو قلت : ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينه الكحلُ عند عمروٍ منهُ في عينِ أخيكَ كان بمنزلة ذلك لأن قولك عندَ عمروٍ قد صار مختصراً كقولك إلى اللِه في تلك المسألةِ وأما قولهم : ما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ من زيدٍ وما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحل من زيدٍ فإنما هو مختصر من الأول والمعنى : إنما هو الأول لا أنك فضلت الكحل على زيدٍ ولكنك أخبرت أن الكحل في عين زيدٍ أحسنُ منه في غيرها كما أردت في الأول ولكنك حذفت لقلة التباسه وليست ( مِنْ ) ها هنا بمنزلتها في قولك : ما رأيتُ رجلاً أحسنَ من زيدٍ لأنكَ هنا تخبر أنك لم ترَ من يتقدم زيداً وأنت في الأول تخبر أنك لم ترَ من يعمل الكحل في عينه عمله في عين زيدٍ فتقديره : ما رأيت رجلاً أحسنَ كحلاً في عينٍ من زيدٍ لما أضمرت رجلاً في ( أحسَن ) نصبت كحلاً على التمييز ليصح معنى الإختصار

صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو Fasel10

كتاب : الأصول في النحو
المؤلف : أبي بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي البغدادي
منتدى الرسالة الخاتمة - البوابة
صفحة رقم [ 14 ] من كتاب الأصول في النحو E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 9 ديسمبر 2021 - 2:38